فيلم “قلوب كيميائية”.. عندما يصبح الحب وقودا للكتابة في زمن المراهقة


هذه خلطة مشاعر مذهلة: مراهقة وحب وشعر في فيلم قلوب كيميائية 2020، إخراج ريتشارد تاني. فيلم عن مراهق يائس ومراهقة غامضة يشتبكان في قصة حب تتغذى من كيمياء القلوب، قصة تفتح أفق الشاب وتضيء قلب الشابة التي تطالع شعر بابلو نيرودا لتفهم نفسها، وهذا ما يجعل تحليلاتها مفرطة في التنظير.

مراهق يهوى جبر الفخار المكسور، يقع في حب مراهقة مصدومة تقرأ الشعر بكثافة. يحاول الفيلم تفسير الحب بالفن والعلم، بالشعر وعلم الأعصاب. بالنسبة لدارسي الأعصاب فالحب حدث كيمياوي يحرك المناطق المتوحشة في الدماغ، فتهيج القصائد مشتعلة بالعواطف. لقد تم ترحيل مفاهيم من حقل علمي إلى حقل أدبي لتفسير البشر.

في الفيلم وفي الشعر استعارات يمكن إرجاعها إلى أصلها، أي التشبيه، وبذلك فهي تحمل المجهول المعلوم.

استعارات حسية لا تجريدية، استعارات مولدة للمعنى لا استعارات عاقر، بفضلها يستطيع المتلقي أن يفهم الصورة المجهولة له بالصورة المعلومة لديه في واقعه. بفضل الشعر تدرك أنه يمكن إصلاح الفخار المكسور، أما القلوب فلا تنجبر. ما جرى لا ينسى، يجب تجاوزه.

كيف يتصرف المراهق حين يفقد حبه الكبير فجأة؟ ينهار، يفكر في الانتحار، وبعدها تأتي الكتابة. المواضيع التي تستحق أن تكتب أقرب مما يتصور. لدى بطل الفيلم قدرات تحرير كبيرة؛ يحلم أن يصير كاتبا، لديه منصة للنشر، لكن ليس لديه ما يقوله. الحب هو وقود الكتابة في سن المراهقة، لكن لن يشتعل هذا الوقود دون مطالعة قصائد مثل تلك التي كتبها بابلو نيرودا الذي أنشد “يدك على صدري تصبح قطعة مني”.

بعد التفكير في الانتحار تأتي الكتابة، الكتابة علاج ميلانكوليا المراهقة التي تغذي الخيال بالسوداوية والمشاعر الجامحة. يتزامن تحسن العلاقة العاطفية مع صدور عدد جديد من مجلة الثانوية، هكذا فالكتابة علاج للحصول على التطهير (الكاتارسيس). قرأت في مكان ما أن الكاتب الحقيقي هو الذي يستمر في الكتابة بعد الزواج.

كيف يبدو العالم لمراهق أمريكي على أعتاب الشباب؟ يبدو له فرصة أحيانا وكارثة في مرات كثيرة.

مراهق يضغط عليه والداه ليتفوق، تضغط عليه مواقع التواصل الاجتماعي ليلائم جسده مع معايير جمالية معينة. لهذا صدى في الأفلام. مثلا سبق للسينما الأمريكية أن تناولت كيمياء قلب المراهق في فيلم “الجمال الأمريكي” 1999 من إخراج سام مينديز. في هذا القبح الأمريكي يعيش المراهق والمراهقة جحيم كونهما نكرة. المراهقة جيني (أداء ثورا بيرتش) ساخطة على نفسها بسبب شكلها الذي لا يناسب النموذج الرائج في مواقع التواصل الاجتماعي… وتشعر جيني بالعار حين ترى جنون والدها (كيفين سبايسي) بصديقتها ذات “الجسد المثالي”.

ولكي تعمق جيني الجحيم حولها فهي ساخطة على والديها الفاشلين الفقيرين الأنانيين المضجرين… ولا يعرفان حتى أكلتها المفضلة. وسواء كان أب المراهق ضابطا شرسا أو موظفا فاشلا فالمراهق غير راض.

قد يستغرب المتفرج غير الغربي هذا السخط لأن المراهق يتحرك في بيئة تعليمية متماسكة، تحتضن طلابا بسحنات مختلفة لعكس تعايش أعراق مختلفة في المجتمع الأمريكي.

وبينما تتطور المشاكل العاطفية للمراهق الأمريكي تظهر الخلفية صلابة البيئة التعليمية التي يتحرك فيها ويتكشف مدى قدرتها على أن توفر له فضاء ثقافيا يشبع عطشه لفهم ذاته، ويستجيب لطموحه إلى مستقبل أفضل.

يقدم الفيلم لقطات تظهر ديكورا كبيرا. تجري الأحداث في عالم أخضر كعمر أبطال الفيلم.. ما يبدو كفضاء سلبي في بداية اللقطة يصير وظيفيا في النصف الثاني من اللقطة عندما تأتي المعلومة من عمق الكادر أو حين يمشي المراهق المشاء إلى عمق الكادر فنسمع صوتا أو نرى سيارة فخمة أو منزلا كبيرا. هكذا يجد ما يجري في مقدمة الكادر تفسيره في عمق الكادر، حيث الثروة والرفاهية.

يقدم فيلم قلوب كيميائية بورتريه مراهق أمريكي يعيش غليانا داخليا، فيلم يطل على روح حائرة مندفعة، لكن صاحبها محظوظ لا يعنيه ما يجري في باقي العالم. فيلم عن طلاب ثانوي في سن 17 سنة يصنفون كمراهقين لأن طول مرحلة التعلم تمدد طفولتهم ومراهقتهم. في مجتمعات أخرى، أو خارج المدرسة، كانوا سيُصَنفون مبكرا كراشدين.

تختلف ألوان الطلاب وأعراقهم لكنهم يعيشون المشاعر نفسها. ينكشف من تحليل أثر الحب في الدماغ أن المراهق العاشق المجروح يحتاج زمنا طويلا ليضمد جراحه، يعيش تجربة لا تمحى لذلك فالمصالحة الشاملة مع الواقع الجديد مستحيلة.

لمنح حكاية الفيلم جذورا تاريخية يتم الاستشهاد بالمؤلفين القدامى الذين كتبوا عن حب الشباب، وعلى رأسهم وليام شكسبير في مسرحية “روميو وجولييت”.

حين تشتبك السينما بالشعر لحكي الحب الأول يفهم المحب ما عاشه وينهض ليكمل طريقه. يحصل المراهق الأمريكي المحظوظ على تجارب عاطفية – في الواقع وفي السينما – تحرره مبكرا من الكبت. وهكذا ينطلق إلى آفاق جديدة لأنه صديق الحب والكتب، وهو يقرأ نيرودا:

“يموت ببطء..

من لا يسافر..

من لا يقرأ..

من لا يسمع الموسيقى..

من لا يعرف كيف يجد شيئا بفضل عينيه”.

صدق نيرودا، سافر طالع شاهد كي لا تموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *