هذه “ملفات ساخنة” تواجه الحكومة المقبلة .. صحة وتعليم وتشغيل وتنمية‬


تواجه الحكومة المقبلة تحديات كبرى في ما يتعلق بالجانب الاقتصادي، خاصة أن البلاد في مرحلة محاولة الخروج من تداعيات أزمة جائحة كوفيد 19.

وحسب مختصين في الاقتصاد استقصت هسبريس آراءهم فإن الحكومة المقبلة ستصطدم بملفات ذات صبغة اجتماعية بالأساس، تهم مجالات الصحة والتعليم والتشغيل ومحاربة الفساد؛ ناهيك عن ضرورة تنزيل برامج ملكية كبرى، أبرزها النموذج التنموي وتعميم الرعاية الصحية والاجتماعية.

أزمات اجتماعية

وقال عمر الكتاني، الخبير الذي حلل الاقتصاد المغربي على مدى ثلاثين سنة، إن جائحة كوفيد 19 خلفت أزمات أخذت صبغة اجتماعية، إذ مست المقاولات الصغرى القطاع غير المهيكل ونتج عنها ارتفاع في البطالة وفقدان الشغل.

وقال الكتاني إن التحدي المطروح هو أن “الحكومة المقبلة رأسمالية لا علاقة لها بالتوجهات الاجتماعية؛ في حين أن القطاعات الاجتماعية هي المتضررة”، وزاد: “الحكومة بالتالي مطالبة بأن ترتدي لباسا ليس لها، وهو الاستثمار الاجتماعي، ونتمنى أن تنجح فيه”.

من جانبه قال رشيد أوراز، وهو باحث رئيسي في المعهد المغربي لتحليل السياسات، مختص في تأثير التعليم والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على الدينامية الاقتصادية، إن “جائحة كوفيد 19 أثرت بشكل كبير على الاقتصاد المغربي بسبب طول مدة الحجر الصحي، ومدة حظر التجوال التي تنطلق في ساعات مبكرة من الليل، وهو ما نتج عنه تضرر عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية، وخاصة القطاع غير المهيكل وبعض الفئات، مثل النساء اللواتي عانين بشكل كبير خلال الأزمة”.

وأكد أوراز أن “هذه التأثيرات الاقتصادية امتدت أيضا لتتحول إلى أزمات اجتماعية أكيد أنها ستظهر خلال الأشهر والسنوات القادمة كعامل من عوامل المساس بالقدرة الشرائية للمواطنين المغاربة وظروف عيشهم”، مردفا: “هذا ما سيفرض تحديا جديدا أمام الحكومة المقبلة، وفقط الزمن الكفيل بالجواب عن سؤال هل ستستطيع الحكومة مواجهة هذا التحدي؟”.

الأمر نفسه أكده عبد النبي أبو العرب، الخبير الاقتصادي، الذي قال إن “هناك أزمة اقتصادية واجتماعية ذات آثار وخيمة على التشغيل والأسر”، مؤكدا أن “الآلاف من المغاربة فقدوا عملهم، ما يؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين، ويدخل العديد من الأسر في مربع الهشاشة الاجتماعية”.

وشدد أبو العرب على أن “الحكومة يجب أن تربط الإقلاع الاقتصادي بخلق فرص للتشغيل”، وزاد معلقا: “هي معادلة معقدة لكنها تدخل ضمن برنامج حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة الجديدة”.

اقتصاد للجائحة

وقال أبو العرب إن هناك “تحديات ضخمة بالنظر إلى السياق الوطني والدولي الذي تنطلق فيه هذه الحكومة الجديدة”، معتبرا أن “التحدي الأكبر يتمثل في القدرة على تفعيل دينامية اقتصادية ومشروع إقلاع اقتصادي في خضم هذه الجائحة”.

واعتبر المتحدث ذاته أن “المملكة في حاجة إلى اقتصاد للجائحة يعتمد على الاستفادة من الإمكانات والفرص التي تم طرحها، والتي إذا ما تم الاستثمار فيها قد تصبح فرصة للنجاح، خاصة أن أوروبا ودول العالم المتقدم دخلت في إستراتيجية استبدال علاقاتها التجارية مع الصين بعلاقات أخرى توفر قرابة لوجستيكية”.

وتحدث الخبير ذاته عن ضرورة بلورة إستراتيجية وطنية فعالة مبنية على خطة الإنعاش الاقتصادي التي أطلقها الملك، من أجل جعل الجائحة فرصة للانطلاقة والبناء ورفع التنافسية الاقتصادية ودعم الإنتاج الوطني والحد من الواردات وتفعيل ما تسمى إستراتيجية الاستبدال على مستوى الواردات”، وزاد: “هي فرصة لأخذ حصص في السوق العالمية، وخاصة الأوروبية، في قطاعات مثل النسيج والخضروات وما يتعلق بالتجهيزات في المجال الصناعي والتقني”.

وذكر أبو العرب أن المغرب أصبح اليوم وجهة اقتصادية واضحة، ويسعى إلى أن يكون منصة للاستثمار الدولي والتصدير، “ما سيدفع بالاقتصاد الوطني إلى تطوير قدرته التصديرية في شتى المجالات”، مردفا: “المغرب بلغ اليوم من النضج على هذا المستوى ما يكفي لأن يصبح فعلا منصة استثمارية دولية.. التحدي الأكبر هو أن تربح مسألة جذب الاستثمارات”.

ولم يفوت أبو العرب الفرصة دون التذكير بأن الحكومة المقبلة ستكون حكومة اقتصادية بامتياز، يقودها رجل أعمال ووزراء من مجال الأعمال، ونواتها الأساسية تتكون من العقلية الاستثمارية التجارية.

التنمية الاقتصادية

تحد آخر من التحديات التي تواجه الحكومة المقبلة يتمثل بشكل أساسي في عدم التوازن بين الجهات في ما يتعلق بخلق الثروة والإسهام في الناتج الداخلي الإجمالي، حسب ما أكده تقرير المندوبية السامية للتخطيط.

وقال أبو العرب: “حتى بناء على الخطابات الملكية هناك رغبة في تنمية الجهات والخروج من منطق القطبية الصناعية المحدودة بين الدار البيضاء وطنجة”، مشددا على “ضرورة بناء مجالات وجغرافية اقتصادية جديدة من خلال إنجاح الاستثمارات الضخمة التي تم إطلاقها في الجنوب والأقاليم الصحراوية”.

التحدي نفسه ذكره الكتاني الذي نبه إلى ضرورة الاستثمار في المناطق التي بها أو تخلق مشاكل اجتماعية، محددا إياها بشكل أساسي في البادية، وزاد: “الإصلاحات التي يجب أن تقوم بها الدولة يجب أن تكون في البادية، لأن الاستثمارات في المدينة ستكون ذات طابع رأسمالي، ولن توظف الكثير من الناس، وبالتالي لن تحل المشكل الأساسي في المغرب، وهو البطالة”.

وأبرز المحلل الاقتصادي أن “الصعب هو العلاقة بين الفقر والبطالة”، وأن “أحدهما ينتج الآخر، وهما وجهان لعملة واحدة”، متحدثا عن أهمية خلق قرى نموذجية تتحول إلى مدن.

مديونية ثقيلة

وتحدث الكتاني أيضا عن أزمة المديونية التي تعد تحديا أساسيا من تحديات مستقبل البلاد، قائلا: “المغرب تبنى سياسة تغطية حاجته في الاستثمار بالمديونية”، وزاد متسائلا: “هل سنستمر في المسلسل الخطير الذي يرهن مستقبل أطفالنا بديون تمتد إلى 23 سنة؟”.

ونبه الكتاني إلى أن الأشخاص الذين يتخذون قرار معدل عمرهم 65 سنة وبتخذون قرارات تؤثر على مستقبل جيل بكامله، منبها إلى أن أطفال اليوم هم من سيؤدون هذا الثمن.

وأضاف الخبير ذاته أن البديل يكمن في سياسة التقشف التي تعد من خصوصيات الثقافة الاجتماعية؛ فيما الحكومة المقبلة رأسمالية ليبرالية، متسائلا: “بالتالي كيف يمكنهم تقمص شخصية ليست لهم والنجاح فيها؟”.

النموذج التنموي

من جانبه ذكر أوراز تحديات أخرى تهم تنزيل النموذج التنموي الجديد، وتفعيل مشاريع ملكية كبرى قائلا: “النموذج التنموي هو مشروع وخطاطة تتوفر على عدد كبير من التوجيهات التي من المؤكد أنها أثارت نقاشا كبيرا حول عدد من مشاكل التنمية التي تعاني منها البلاد، ولا شك أن التقرير الخاص بهذا النموذج سيكون مصدر عدة توصيات مهمة، وبمثابة خارطة طريق لعدد من المجالات ووضع مقترحات مهمة أمام صانع القرار من الأكيد أنها ستفيد الحكومة في وضع برنامجها وتنزيل عدد من السياسات والقرارات والمشاريع”.

وذكر أوراز المشاريع الملكية التي تتعلق بخدمة الرعاية الاجتماعية والتغطية الصحية، قائلا: “إنها أيضا مواضيع مهمة. أتمنى أن تنجح الحكومة المقبلة في إيجاد الموارد المالية الكفيلة بتحقيق هذه المشاريع ذات الطابع الاجتماعي”، وتابع: “إذا ما استمر وزير المالية الحالي في منصبه في الحكومة المقبلة ربما سيدبر هذه الملفات، لأنه هو الذي بدأ في تنزيلها خلال الحكومة التي انتهت ولايتها”.

واعتبر الاقتصادي ذاته أنه بشكل عام في الوقت الحالي “لا يمكن في ظل سياقات الأزمة الاقتصادية التنبؤ بأي معدلات، ولا حتى كيف ستكون الاقتصاديات الدولية والاقتصاد المغربي، لأن العالم مازال في مواجهة مع كوفيد 19 إلى حد الآن، وحملات التلقيح مستمرة”.

وأكد المتحدث ذاته أنه في ما يهم الاقتصاد المغربي فهو مرتبط أيضا باقتصاديات باقي الشركاء، مثل الاقتصاد الأوروبي والأمريكي، والاقتصاديات الآسيوية والإفريقية، وهو ما سيجعله غير متحكم في تدبير مراحل ما بعد الأزمة، وشدد على أن “المرحلة هي لتدبير مخلفات كوفيد 19 على الاقتصاد المغربي، لكن دون أن يكون هناك تماطل وتأخر في تنزيل المشاريع الكبرى التي تهم مجالات الصناعات وتأهيل الرأسمال البشري وإصلاح التعليم ومحاربة الفساد وتحسين الحوكمة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *