أكاديميون يتفحصون نتائج “البيجيدي” .. تذويب الإسلاميين ونموذج للاقتداء


اهتمام أكاديمي مثير للانتباه أثاره الترجل الاضطراري لحزب العدالة والتنمية عن قيادة الحكومة بعد نتائج انتخابات “8 شتنبر 2021” التي أفقدته ما يقرب من 90 في المائة من مقاعده بمجلس النواب.

وينبع هذا الاهتمام أساسا من بزوغ “نموذج مغاير” لتدبير العلاقة بـ”إسلاميي الإصلاح من الداخل”، كانت أداته “الصناديق”، في المنطقة العربية التي شهدت تجارب عنيفة في إبعاد “الإسلاميين الحركيين” عن السلطة، بعد تطورات “حراكات الربيع” مطلعَ العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين.

ومن بين أوجه هذا الاهتمام مقالات وجوه ثقافية بارزة في المنطقة، من بينها الأكاديميون: السيد ولد أباه، وأبو يعرب المرزوقي، ورضوان السيد.

استمرار “الاستقرار السياسي”

وقال الأكاديمي الموريتاني السيد ولد أباه إنه قبل إعلان نتائج الاقتراع توقع “أن يرجع المغرب إلى خارطته السياسية التقليدية، بعد سنوات عشر من تقدم «حزب العدالة والتنمية» في الموازين الانتخابية وتصدّره للعمل الحكومي”.

وفي مقال له نشرته “جريدة الاتحاد” ذكر المتخصص في الفلسفة الحديثة والمعاصرة أنه بنى توقعاته على معطى “أن الأحزاب التقليدية المغربية استعادت عافيتها بعد سنوات من التراجع الناتج عن انسحاب جيل الحركة الوطنية المؤسس لهذه المجموعات الحزبية”.

وبعد تقسيم للحقل السياسي المغربي إلى ثلاث كتلٍ كبرى، “تلتقي في الثوابت الثلاثة الكبرى للعقد السياسي المغربي، وهي الملكية الدستورية، ومرجعية الإسلام العليا المتمثلة في إمارة المؤمنين، والديمقراطية التعددية”، سجل الأكاديمي أنه “عكس اليسار الانقلابي في الساحة العربية، حافظ اليسار المغربي على الشرعية الملكية واعتبرها ضمانةً لوحدة المغرب ولاستمرارية الدولة. كما أن نظام إمارة المؤمنين الفريد في المغرب حل عملياً مسألة الشرعية الدينية للنظام السياسي من خلال إسناد مهمة الإشراف على الحقل الديني ورعايته في المجال العمومي للملك نفسه، الذي يختص دستورياً بتوجيه ورئاسة المؤسسة الدينية”.

وأضاف الأكاديمي ذاته: “بعد انتخابات 2011، شهد المغرب تحولات كبرى طالت الأحزاب السياسية التقليدية، إثر غياب وجوهها المؤسسة الكبرى عن طريق الوفاة أو العجز البدني: مثل عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي (الاتحاد الاشتراكي)، وأحمد عصمان (الأحرار) ومحمد بوستة (…) الفاسي (الاستقلال)… ولقد استفاد تيار الإسلام السياسي من هذا الفراغ السياسي من خلال استثمار الورقة الدينية الاحتجاجية مقابل النزعة الإصلاحية والحضارية للإسلام المغربي التي يمثلها «حزب الاستقلال» الذي عرف تراجعاً ملحوظاً في فترة قيادة النقابي المشاكس حميد شباط”.

وسجل ولد أباه ما أبرزته انتخابات 8 شتنبر من “عودة «الاتحاد الاشتراكي» إلى الواجهة بعد تراجعه إثر انسحاب آخر قادته التاريخيين عبد الرحمن اليوسفي الذي ترأس حكومة التناوب التوافقي سنة 1998”.

وحول “آفاق الاستقرار السياسي في المغرب في ظل الأزمة الإقليمية المتفاقمة”، ذكر الأكاديمي الموريتاني أن “المغرب الذي كان الدولة السنِّية العربية الكبرى الوحيدة التي قاومت الغزو العثماني وحافظت على استمرارها على الرغم من الاحتلال الأجنبي، طوَّر آليات فاعلة للسلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، ومن بينها الديمقراطية التشاركية التعددية التي أثبتت مجدداً جدواها وفاعليتها”.

تذويب الإسلاميين

قال أبو يعرب المرزوقي، أكاديمي تونسي، إنه إذا اكتُفي في التحليل بـ”ظاهر الأمور” فيمكن القول مباشرة إن أي حزب يصل للحكم يقوده ذلك “عادة -وخاصة إذا طال- إلى فقدان الأغلبية، حتى في الديمقراطيات الحقيقية؛ وكيف لا يكون الأمر كذلك، وبصورة مماثلة ما حدث في المغرب؛ أي الانتقال من الأغلبية شبه المطلقة إلى الأقلية شبه المطلقة، والديمقراطية في بلاد المغرب الثلاثة المركزية مجرد خدعة؟”.

وتابع الأكاديمي، في مقاله الذي نشرته “علامات أونلاين”، بأن حزب العدالة والتنمية كان “أبعد ما يكون عن الحكم الذي بقي بيد المخزن في المغرب، كما بقي بيد العسكر في الجزائر، وبيد المافيا التي ورثت نظام ابن علي في تونس”، قبل أن يزيد متحدثا عن “خطة” هي “تذويب الإسلاميين بحكم صوري يحملهم مسؤولية فشله دون أن يستفيدوا شيئا من المشاركة فيه؛ وذلك لتبين استحالة الانتصار عليهم شعبيا وبالعنف الذي فشل طيلة أكثر من قرن”.

وواصل المتخصص في الفلسفة اليونانية والعربية والألمانية: “نحن إذن لسنا أمام تطور طبيعي في ديمقراطية حقيقية يكون فيها تراجع الحزب الحاكم بسبب الاهتراء الناتج عن ممارسة الحكم، بل أمام إستراتيجية بديلة عن الإستراتيجية العنيفة التي فشلت في ضرب الإسلاميين”.

واعتبر المرزوقي أن “ما فشل حقا” في انتخابات 8 شتنبر هو “المخزن وليس الإسلاميون”؛ فهو “كان يحكم بأفضل ما لدى الشعب المغربي من أبنائه، وسيحكم بعد الآن بمن لا يستطيع أن يغطي عنه فساده”.

ومع استحضار “فرض الفرنسية في المغرب مؤخرا” بوصفه علامة من علامات “العودة القوية لدور التدخل الأجنبي في المغرب”، ذكر أبو يعرب أن دور “العدالة والتنمية” في المعارضة “ولو بعُشُر ما كان لهم لمّا ظنهم الشعب قادرين على أخذ هذه السلطة إيجابا فأعطاهم الأغلبية، سيكون، وإن سلبا، ألف مرة أقوى مما كان؛ لأنهم في المعارضة لن يكونوا ساكتين على ذلك”.

وضد “أدوات” مواصلة “الاستعمار بشكله غير المباشر” في تونس والجزائر والمغرب، توقع الأكاديمي التونسي أن “كل ذلك أوراق ميتة سيجرفها ريح الربيع المقبل الذي هو الموجة الثانية الجامعة بين ثورة التحرر واستكمال التحرير”.

“نموذج للاقتداء”

قال رضوان السيد، أكاديمي لبناني، إنه “نادراً ما يسقط ملاكمٌ شابٌّ قوي البنية بالضربة القاضية، لكنّ هذا هو ما حدث لحزب العدالة والتنمية، حزب الإسلام السياسي بالمملكة المغربية، في الانتخابات الأخيرة؛ كان خارجاً من عشر سنواتٍ من مباريات الفوز في الانتخابات العامة والجهوية. (…) لكنّ الناخبين المغاربة، وبشبه إجماع، حكموا عليهم بالهزيمة والانقضاء، لأنّ تجربتهم في السلطة وإدارة الشأن العام ما كانت ناجحة، وما أَبَهَ الجمهور لعُلُوّ صوتهم باسم الإسلام!”.

ومع استحضار رأي السيد ولد أباه في كون ما حدث في الانتخابات الأخيرة هو أن “التقليد الحزبي المغربي العريق هو الذي نهض بعد انحطاط، وكسر هؤلاء النوابت الصاعدين تحت لواء الاحتجاجية الصحوية الإسلامية”، أضاف مقال الأكاديمي بجريدة “الشرق الأوسط”: “الواقع أنّ التقليدية الدينية (…) ورمزها أمير المؤمنين، هي التي انتصرت أيضاً وفي الأساس على الإسلامويين الجدد”.

وتابع المتخصص في الفكر السياسي عند المسلمين: “الأعرق بالمملكة المغربية من أحزاب الاستقلال والأحرار والأصالة يتمثل في الثلاثية الدينية التقليدية المعلنة: المذهب المالكي، وتصوف الجُنيد، والأشعرية؛ وهي ثُلاثية أُتيح لها المجال للازدهار والتجدد، عندما لم تقع (كما في المشرق) تحت ضغوط مشكلات تجربة الدولة الوطنية، ومطامح العسكريين، والديكتاتوريات السلطوية، واستنزافات وإثارات السياسات الدولية”.

وعكس المشرق العربي الذي “استغلّ” فيه “عتاة الصحويين والجهاديين كل هذه الظواهر ليضعوا كل الأعباء على عاتق الدولة الوطنية المتغربة، والإسلام التقليدي المستعصي على الحداثة”، قال رضوان السيد إن المغرب “دخل في الحداثة وفي الملكية الدستورية، وفي تجارب التعددية الحزبية، دونما غربة مع الإسلام الذي احتضنته إمارة المؤمنين (وهو احتضانٌ متبادل)، وما أعاقَ التقليدُ الديني المحتضَنُ الحداثةَ، كما لم يُعق التجربة الديمقراطية”.

وزاد الأكاديمي ذاته: “لقد كان زعماء الحركة الوطنية الاستقلالية مع الملك محمد الخامس هم أنفسهم زعماء التقليد الديني والتجديد الديني؛ ولهذين السببين: السكينة الدينية الإصلاحية، ورُشد الملكية الوطنية وكبار السياسيين، أمكن أن تكون للتجربة المغربية فرادتُها، من دون أن ينفي ذلك إمكان الإفادة من نموذجها للاحتضان والانسجام في مواطن أُخرى في العالمين العربي والإسلامي”.

كما سجل الكاتب ذاته أن “مهمة الدولة الوطنية في عالمنا، وفي كل العالم، هي حُسْنُ إدارة الشأن العامّ”، في حين “زعم صحَويو وهويّاتيو المشرق والمغرب أنّ الدين يملك مهماتٍ سياسية لا يستطيع غيرهم إحقاقها بوصفهم حَمَلة الدين الصحيح والوطنية الحقّة! لقد نجحوا شعبياً في المشرق، وبعض بلدان العالم الإسلامي، للأسباب السالفة الذكر التي عانت منها الدول الوطنية. وقد شاء البعض في المغرب حاملين ذلك الوعي المشرقي المأزوم تقليد الصحويات، لكنّ نجاحهم كان نسبياً ومحدوداً”.

وفي تفسيره لمحدودية النجاح هذه، كتب رضوان السيد: “تعرف الكثرة الكاثرة من الأمة المغربية أنّ دينها مصونٌ وعزيز، كما تعرف أنها تملك إدارة شأنها العامّ والصالح العام بالحكومات المنتخبة التي تتغير أو تتعدّل من خلال صناديق الاقتراع في دوراتٍ متعاقبة ومنتظمة. كما يعرف الجمهور المغربي أنه يمتلك المراقبة والمحاسبة والتغيير وليس الانتخابات فقط، ولكن بالعمل المنتظم والمقنّن في سائر المؤسسات أيضاً. وبهذه الممارسة الراسخة على شتى المستويات يظل ممكناً تجاوز (…) السياسيين المستفيدين من التوترات الدينية والإثنية والجهوية”.

وختم الأكاديمي مقاله بالإفصاح عن إدراكه بـ”متابعة تجربة «الاحتضان المتبادل» بين الدين والدولة في المغرب أنّ الدين لا يتوتر ولا يصير عُرضة للاستغلال بسبب التقليد المذهبي أو العَقدي أو التصوف؛ بل للتأزم في التجربة السياسية، والفشل في إدارة الشأن العام”، قبل أن يجمل بالقول إنه بتطرقه لنتائج انتخابات “8 شتنبر” يعرض “نموذجاً لإمكانيات التحرر من تسييس الدين، عن طريق الانتظام في عمل الشرعية السياسية، الذي جلب سكينة في الدين، على وقْع ثقة الجمهور بتدبير الشأن الديني، كما يسمي الإخوة المغاربة سياسات إدارة الدين”.


المصدر: هسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *