المحافظ المدرسية الثقيلة تؤرق الأسر وتهدد سلامة أجساد تلاميذ الابتدائي


مع بداية كل موسم دراسي، يفتح عدد من الآباء والأمهات نقاشا حول المعاناة التي يعيشونها، رفقة أبنائهم، بسبب أوزان المحافظ التي يؤكّدون أنها لا تتناسب مع أعمار تلاميذ السلك الابتدائي، ولا تتوافق مع قدرة الأطفال على حملها على طول المسافة بين المسكن والمدرسة ذهابا وإيابا، ما يضطرهم إلى البحث عن حلول لحماية أطفالهم من كل الأضرار المحتملة على صحتهم وسلامة أبدانهم.

إرهاق الأطفال والآباء والأمهات

في هذا السياق، قال عبد الرحيم سعيدون، والد تلميذة تدرس بالمستوى الثالث من السلك الابتدائي، إن “المحفظة المدرسية أصبحت في السنوات الأخيرة متعِبة ومرهقة للغاية، سواء من الناحية المادية بسبب ارتفاع أثمنة الكتب واللوازم والأدوات المدرسية، أو من ناحية وزن المحفظة الذي أرهق الأطفال والآباء والأمهات على حد سواء”.

وأضاف المتحدث ذاته، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أنه “في إطار البحث عن طرق للتخفيف من هذه المعاناة اليومية، يلجأ الآباء والأمهات إلى بعض الحلول، من بينها اقتناء محافظ مجهزة بعجلات صغيرة لتسهيل عملية الجر، فيما يتكلف بعض الآباء بحمل المحفظة ومرافقة أبنائهم إلى باب المؤسسة التعليمية، وإذا سمحت الظروف المادية لبعض الأسر فإنها تستعين بالنقل المدرسي”.

وأشار سعيدون إلى أن “بعض الآباء يجيدون مراقبة وتتبع جداول حصص أبنائهم، ويحرصون على التواصل والاستشارة مع المدرسين، من أجل الاقتصار على ملء المحافظ بالكتب والأدوات المدرسية اللازمة للحصص المقبلة فقط، وتغييرها بين الفترتيْن الصباحية والمسائية، فيما يقوم بعض الأساتذة بالاحتفاظ ببعض المراجع في خزانة الفصل، من أجل التخفيف من وزن المحفظة قدر الإمكان”.

جدلية “الكم” و”الكيف”

جبير مجاهد، رئيس المركز الإستراتيجي للدراسات والأبحاث التعليمية والتربوية، قال إن “المحفظة الثقيلة أصبحت تشكل خلال السنوات الأخيرة أمرا مؤرقا لأولياء الأمور، ومشكلة حقيقية لتلاميذ المستويات الابتدائية، وعلى الرغم من غياب أي دراسة علمية دقيقة توضح مدى تأثير المحفظة على نمو وصحة التلميذ، فإنها بالتأكيد تؤثر سلبا على صحة الأطفال، لا سيما ضعيفي البنية أو الذين يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة”.

وأضاف المتحدث ذاته، في تصريح لهسبريس، أنه “لا يمكن إنكار غياب الأهمية العلمية أو عدم جدوى كثرة الكتب، والوضع الحالي يتطلب إعادة النظر في مناهج التعليم، والتركيز على الكيف أكثر من الكم، خاصة في ظل تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصال التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من العملية التعليمية التعلمية، مما يستوجب التخفيف من المقررات الدراسية عبر الاستعانة بالوسائل التكنولوجية”.

وقال مجاهد: “ما دام أن الأمر يرتبط بسلامة أبنائنا في الحاضر والمستقبل، وجب على المسؤولين عن تدبير الشأن التعليمي التدخل لإيجاد حلول عملية لهذا الموضوع، كالحد من تنقل التلاميذ بين الحجرات الدراسية، وأن يكون الأستاذ هو المطالب بتلك التنقلات، والاحتفاظ بكتب المتعلمات والمتعلمين في المدارس عوض حملها يوميا ذهابا وإيابا، عبر إنشاء خزانات مغلقة داخل المؤسسة لحفظ الكتب، فضلا عن التفكير الجدي في إيجاد بديل للكتاب الورقي عن طريق الرقمنة”.

محافظ ثقيلة وأضرار كثيرة

من جانبه، أكد بوشعيب المسعودي، طبيب مختص في أمراض العظام والمفاصل والروماتيزم، أن “وزن المحفظة المدرسية يفوق في أغلب الأوقات 10 كيلوغرامات، والمفروض ألا يفوق وزنها 10 في المئة من وزن التلميذ حسب الدراسات العلمية الدولية، وكلما ازداد وزن المحفظة ارتفعت إمكانية إصابة الطفل بأضرار مستقبلية، ومشاكل صحية جسدية ونفسية، كالعياء والارتخاء وآلام الظهر والكتفين والرقبة والصدر…”.

وأوضح المتحدث أن “التلاميذ يشكون غالبا من آلام ومغص وتشنجات عضلية في الظهر، وبعضهم يشعر بضغط في الأقراص الفاصلة بين فقرات العمود الفقري، فيما يصاب الأطفال الذين يحملون محافظهم دائما على كتف واحد باعوجاج في العمود الفقري”، مشددا على أن “هذه الأعراض تتفاقم وتتطور مع مرور السنين، فتصبح بعض الآلام مزمنة وتتسبب في عدة أمراض بالنسبة للبالغين، وتكون سببا في كثرة غيابهم أو انقطاعهم عن العمل، مع نقصان في فعاليتهم ومردوديتهم”.

وأورد المسعودي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “دراسات علمية غربية أثبتت أن أقل من 20 في المئة من الأطفال فقط يحترمون التعليمات الصحية الصحيحة، وأغلبية التلاميذ يحملون محفظة يفوق وزنها 20 في المئة من وزن جسم الطفل، كما أثبت هذه الدراسات أن وزن المحفظة المدرسية غير مطابق وغير متوازن وغير متناسق مع ساعات الدراسة ونوعية الدروس”.

نصائح للحماية من أضرار المحفظة

وعن كيفية التعامل مع المحافظ الثقيلة، قال الطبيب ذاته إن “الأساس هو تعلم كيفية ملء المحفظة من طرف التلميذ والوالدين”، موضحا أن “الأبحاث العلمية اشتغلت على نفسية التلميذ، وأشارت إلى خوفه من نسيان بعض الكتب والكراسات والأدوات المدرسية ولجوئه إلى حمل كل شيء في محفظته تجنبا لغضب المدرسين وأملا في إرضائهم ولو على حساب صحته”.

وفي نصيحة موجهة إلى جميع المعنيين بالموضوع، شدد بوشعيب المسعودي على ضرورة “تركيز التلاميذ والآباء على الكتب الخاصة بالحصص المدرسة في كل يوم، وملء المحفظة حسب الدروس المعلن عنها من طرف المدرسين”، مضيفا أن “على الأساتذة تحديد الدروس بصفة دقيقة ومحددة ومعلن عنها مسبقا، من أجل تمكين التلميذ من ضبط أموره، دون نسيان أهمية اعتدال واستقامة التلميذ في جلوسه على المقعد في الصف، مع ممارسة الرياضة باستمرار”.

وفي حديثه عن مسؤولية الإدارة، اقترح المختص في أمراض العظام والمفاصل والروماتيزم “تخصيص بعض الصناديق والدواليب للتلاميذ لوضع لوازمهم المدرسية، وإجراء مراقبة طبية مستمرة وموسمية، وتنظيم ورشات للأساتذة والتلاميذ من طرف مختصين وأطباء، من أجل نشر مبادئ الوقاية والسلامة الصحية، والتدريب على كيفية ملء واستعمال المحفظة، ومواصفات الجلوس الصحيح، وكيفية القيام بالحركات السليمة للأطراف”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *