بلفقيه.. مسارات أسابيع من “الصراعات الانتخابية” تنتهي بـ”انتحار سياسي”

19 سنة من الممارسة السياسية انتهت بالنار هناك في حاضرة مقدمة الجنوب المغربي، حيث رحل عبد الوهاب بلفقيه، بعد نقطة نهاية أطلقها عيار ناري، أوقف سلسلة صدامات انتخابية مستعرة.

وكان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بكلميم رجح فرضية انتحار عبد الوهاب بلفقيه ببندقية صيد. وشدد بلاغ النيابة العامة على أن الأبحاث لازالت جارية في هذا الشأن، متواصلة للكشف عن ظروف وملابسات هذا الحادث، و”ستعمل النيابة العامة على ترتيب الآثار القانونية على ضوء ما ستسفر عنه نتائج الأبحاث التي تشرف عليها”.

وواجه عبد الوهاب بلفقيه، المنتمي إلى قبيلة “أيت بعمران”، مشاكل لم تستكن على امتداد مساره السياسي المثير، فللمرة الثانية يدخل صدامات رئاسة مجلس الجهة، لكن هذه المرة لم يخرج منها ناجيا.

ودخل بلفقيه صراعا امتد خمس سنوات (2016 – 2020) مع عبد الرحيم بوعيدة (رئيس الجهة سابقا)، انتهى بانهيار أغلبية “البوعيدي”، وتولية ابنة العم امباركة رئاسة الجهة في ما تبقى من الولاية.

وعلى امتداد أسابيع الحملة، وبعد النتائج، شهدت الجهة صراعات حادة بين عبد الوهاب بلفقيه، المرشح السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، وامباركة بوعيدة، مرشحة حزب التجمع الوطني للأحرار.

ونال عبد الوهاب بلفقيه 12 مقعدا متصدرا الانتخابات الجهوية، تلته بوعيدة عن حزب التجمع الوطني للأحرار بـ10 مقاعد، فيما تفرقت باقي المقاعد على تنظيمات مختلفة.

وفي لحظات استعداد بلفقيه لنيل رئاسة الجهة، سحبها منه الأمين العام لحزب “البام” عبد اللطيف وهبي، ليقرر اعتزال العمل السياسي بصفة نهائية، ثم يعود مجددا من بوابة التحالف مع محمد أبودرار، مرشح حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

وطوال فترة التنسيق الثنائي، شهدت الجهة مناوشات بين مختلف الأطراف، بداية بجذب وإغراء واحتجاز الأعضاء إلى غاية صباح اليوم الثلاثاء (موعد التصويت)، ليأتي خبر إصابة عبد الوهاب بلفقيه بعيار ناري، وبعدها جاء يقين خبر الوفاة.

واعتبر بوبكر أونغير، باحث في العلوم السياسية، أن الجهة الصحراوية تتميز عن غيرها من جهات المغرب بثلاث خصائص رئيسية، أولها احتضان مكونات إثنية وقبلية وتاريخية مختلفة يتقاطع فيها الحساني والأمازيغي، في انسجام تام وكامل ونموذجي.

ووفق المصرح فجهة كلميم وادنون تحتضن قبائل تاريخية عريقة، مثل قبائل أيت بعمران وقبائل أيت اوسى وأيت لحسن وقبائل الاخصاص وإمجاط، وزاد: “هذا التنوع القبلي ينعكس إيجابا وسلبا على الخريطة السياسية التي تسيطر عليها عائلات سياسية كلاسيكية”.

وأضاف أونغير أن “هذه العائلات الكلاسيكية تصارع عائلات جديدة طفت على ساحة الجهة في بداية الألفية، أي إن التدافع السياسي الذي نشهده اليوم إرهاص لصراع سياسي بين عائلات لها نفوذ تاريخي بالجهة وولادة عائلات وجهات سياسية جديدة تنافسها”.

واعتبر المتحدث من كلميم أن “العلوم الاجتماعية توضح أن الولادة الجديدة تكون قيصرية مؤلمة لا يضمحل فيها القديم بغتة، بل يتعايش مع الجديد في صراع خفي أحيانا وظاهر في أحايين كثيرة”.

وفسر أونغير الوضع المتقلب بجهة كلميم وادنون بـ”تقهقر القوى التقليدية التي سمحت مرغمة ببروز قوى جديدة من أقاليم الجهة (أيت بعمران)، حيث قيادات شبابية سياسية قادمة، ومن “أيت لحسن وأيت اوسى”، حيث قيادات وأسر جديدة في الطريق إلى التموضع في السياق السياسي الجهوي”.

وسجل الباحث في العلوم السياسية أن الأحزاب في جهة كلميم وادنون “تمظهرات لهذا الصراع السياسي القائم، حيث لا وزن حقيقيا للأحزاب السياسية خارج منظومة القبيلة والانتماء القبلي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *