أنور المرتجي يقارب إستراتيجية “تقدم حزب الاتحاد الاشتراكي إلى الخلف”

قال الكاتب والباحث أنور المرتجي إن “مسؤولي حزب الاتحاد الاشتراكي عندما تدافعوا إلى المشاركة في الحكومة الأخيرة أبانوا عن استرخاص فادح لموقع تشكيل الحكومة الجديدة، وكأن الأمر يتعلق بفرصة سانحة لاقتناص غنيمة المناصب الوزارية ليس إلا”.

وأضاف المرتجي، في مقال بعنوان “الاتحاد الاشتراكي.. إستراتيجية التقدم إلى الخلف”، أن “الانحياز إلى صفوف الأغلبية الحكومية أو التواجد في موقع المعارضة يجب التعاطي معهما كجبهتين نضاليتين متساويتين”، موضحا أن “الانتقال من موقع إلى آخر تعقبه وقفة تحليلية لتقديم الحصيلة بميزان الربح والخسارة والتساؤل، سواء عند مزاولة الحزب للعمل الحكومي أو عند الانحياز إلى موقع المعارضة”.

وبعدما قارب أنور المرتجي الموضوع من جوانب مختلفة، قال في ختام مقاله: “إننا لا نفكر في المعارضة إلا عندما نُحْصر فيها قسرا، وعلينا ألا ننظر إلى التواجد فيها بالمقارنة مع التجربة التي خاضها الحزب قبل حكومة التناوب، لأننا ببساطة ‘لا ننزل إلى النهر مرتين’، ومغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، بتغير رجالاته ومساقاته المرجعية، واختلاف مكونات المعارضة، وبتبادل أدوار الفاعلين فيه”.

وهذا نص المقال:

عندما تَدَافع مسؤولو حزب الاتحاد الاشتراكي للمشاركة في الحكومة الأخيرة، أبانوا عن استرخاص فادح لموقع تشكيل الحكومة الجديدة، وكأن الأمر يتعلق بفرصة سانحة لاقتناص غنيمة المناصب الوزارية ليس إلا، ففي الجولة الأولى من الاتصالات الثنائية، لم يقدم رئيس الحكومة المكلف عرضا للحزب، بل إن مسؤولي الحزب هم من بادروا إلى تقديم طلبهم، والإعراب عن رغبتهم في المشاركة الحكومية دون الرجوع إلى الأجهزة التقريرية، وكان موقفهم هو الاستثناء الوحيد ضمن الأحزاب المتفاوضة الذين لم يتعللوا من باب الكياسة السياسية المحمودة، بذريعة أنهم سينقلون عرض رئيس الحكومة المكلف إلى المجلس الوطني الاتحادي كما فعل أمناء الأحزاب الأخرى، لأن مسؤولي حزبنا كانوا في عجلة من أمرهم، فقدموا شيكا على بياض ووضعوا العربة قبل الحصان، دون إشراك القواعد التقريرية مثل المجلس الوطني الذي يمثل برلمان الحزب.

إن الانحياز إلى صفوف الأغلبية الحكومية أو التواجد في موقع المعارضة يجب التعاطي معهما كجبهتين نضاليتين متساويتين، فعند الانتقال من موقع إلى آخر، تعقبه وقفة تحليلية لتقديم الحصيلة بميزان الربح والخسارة والتساؤل، سواء عند مزاولة الحزب للعمل الحكومي أو عند الانحياز إلى موقع المعارضة، عن نوعية الإضافة التي قدمها حزب “القوات الشعبية” حين مشاركته في الحكومات المتعاقبة، فعندما قرر مسؤولو الحزب استدعاء أعضاء المجلس الوطني للاجتماع، في المرة الأولى، نجدهم طوَحوا بمناضليهم بعيدا، بمقر الحزب خالد الذكر بأكدال، بدعوى حجة “التباعد” والوقاية من جائحة كورونا. وفي المرة الثانية، عندما تلقوا إرساليات سلبية من التحالف الثلاثي، أرادوا التقرب من أعضاء المجلس الوطني، بنقلهم إلى “نعيم” المقر المركزي بجادة العرعر الخاص بالمكتب السياسي.

منذ بداية العشرية الأخيرة، جرت تحت الجسر مياه غزيرة، أصيب فيها حزب الاتحاد الاشتراكي بما يسميه المفكر المرحوم محمد سبيلا بـ”الضمور التاريخي” الشامل الذي يتجلى على المستوى السياسي والتنظيمي والثقافي، ففي مقالته بعنوان “إشكالية اليسار والحداثة، إشكالية الاتحاد الاشتراكي في أبعادها الفكرية والثقافية والسياسية”، المنشورة بجريدة “الاتحاد الاشتراكي” يوم 24-2-2020، يتحدث المرحوم محمد سبيلا عن ضمور الحزب وتراجعه القهقرى تنظيميا وسياسيا، فعلى مستوى التمثيلية البرلمانية نزل الحزب في انتخابات 2016 إلى أدنى المراتب القياسية، وبالكاد استطاع أن يؤلف فريقا برلمانيا باهتا وعليلا، يتكون بمشقة عسيرة من 20 مقعدا، كمثال على ممارسة تنظيمية تسعى إلى إفراغ الحزب وتحويله إلى مجرد جوقة كورال سياسي يكتفي بترديد مقولات جاهزة. وفي هذا الصدد، يتحدث المرحوم محمد سبيلا عن حزب الاتحاد الاشتراكي الشامخ، الذي كان في أوج عنفوانه يُنعت بـ”الظاهرة الاتحادية التي لم ولن تتكرر عربيا” لأن وجودها “تَخَلق من رحِم آلام المخاض والمعاناة والمكابدة”، وكان في المؤتمر التأسيسي المنعقد بسينما الكواكب بالدار البيضاء، يمثل “ثورة ثقافية وسياسية متميزة” إذ وَهب للمغرب خير رجالاته وأحسن أُطره، هم بُناة الدولة المغربية الحديثة الذين عملوا بأسلاك الوظيفة العمومية، غداة مجيء الاستقلال، كما يعتبر نموذجا مثاليا للمجتمع السياسي القوي بجانب الدولة القومية القوية (ألهب – كما يقول سبيلا- جيلنا والأجيال اللاحقة، وأطلق حيوية تاريخية استمرت وأزهرت خلال النصف الثاني من القرن العشرين والربع الأول من الألفية الثالثة)، التحقت بصفوفه كوكبة عريضة من المثقفين المرموقين من أفضل المُتاح على مستوى العالم العربي، أمثال مفكر الحزب محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، ومحمد جسوس، وسالم يفوت، وغيرهم.

لقد أصيب حزب الاتحاد الاشتراكي منذ المؤتمر التاسع بالتراخي السياسي والتنظيمي والثقافي ودخل في سُبات شتوي طيلة فصول السنة الأربعة، أدى إلى غياب “الفاعل السياسي” و”النقد التحليلي” في الحزب والمجتمع. وقد تعددت أسباب هذا التراجع إلى ضعف في البنية التنظيمية للحزب، وشلل في ممارسته للديمقراطية الداخلية، وعدم قدرته على اختلاق وإبداع خطاب تواصلي مُوَجه إلى الرأي العام ومناضلي الحزب. ففي المؤتمر التاسع كان الاعتزاز بإقرار الحزب آليات تنظيمية جديدة مفتوحة على المنافسة الديمقراطية، والمبارزة على اختيار مترشحين لقيادة الحزب، يعبر عن أن نجاح هذا الأسلوب الديمقراطي يدل على حيوية الحزب في ظل التعدد والتنوع، الذي ساد أشغال مؤتمر الحزب في أجواء الوُد النضالية والشفافية الديمقراطية والتنافس النزيه، إذ قدم الحزب أربعة من المناضلين والمترشحين من العيار الثقيل (ولعلو، المالكي، لشكر، الزايدي) للتباري على مشاريع البرامج الحزبية المتنافسة من أجل تحمل مسؤولية الكتابة الأولى للحزب، وقد اعتُبر هذا التقليد النضالي البهي بمثابة تمرين متقدم في التعوُد على اختلاف وجهات النظر، وانتهت أشغال هذا العرس النضالي بفوز مستحق للأستاذ إدريس لشكر لمسؤولية الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، لكن بمجرد انتهاء أيام هذا الاحتفاء الديمقراطي قام الكاتب الأول الجديد بخطوة إلى الوراء غير مسبوقة في تاريخ الحزب، وذلك بالقطيعة المطلقة مع التراث النضالي وضد كل ما يُعتبر مفخرة للأقانيم والمبادئ التي تمثل جوهر وكينونة الاتحاد الاشتراكي، كحركة جماهيرية وتقدمية ديمقراطية وحداثية، ومذ ذاك بدأ العد العكسي بإقفال الستارة على الديمقراطية الداخلية، وتجميد الاختلاف والاجتهاد الفكري. كما تحول الحزب على مستوى حرية التعبير إلى أصل تجاري مكفول للكاتب الأول وحده، لا ينازعه فيه أحد، فلا صوت يعلو على صوته أو بمُستطاعه أن يعبر عن رأيه المختلف، مهما كان موقعه في سُلم الأجهزة الحزبية المسؤولة. والأنكى أن هذا الحزب في الوقت الذي كان في أمس الحاجة إلى جماهيره ومناضليه والمناصرين له، في معاركه الانتخابية الكبرى، نجده يضحي بهم مجانا، عندما قام الكاتب الأول الجديد، ولأول مرة، بالتنازل عن قطاع عريض من جماهير الحزب الحقيقية التي حضرت المؤتمر التاسع، من خلال عمليات استئصال كاسحة، قريبة على مستوى التشبيه المجازي من نكبة البرامكة على يد الخليفة هارون الرشيد، وبإقصاء لثلاثة أرباع مناضلي الحزب الذين يمثلون الآلاف من قواعد وجماهير حزب الاتحاد الاشتراكي، وهم من خيرة نخبه ومناضليه، وشاركوا في انتخابات المترشحين الأربعة لموقع الكتابة الأولى، بأرضياتهم المرجعية ومشاريعهم الفكرية التي تعبر عن غنى التعدد وتنوع الاختلاف، لكن سيتم الاستغناء المجاني عنهم وعن مساهماتهم الفكرية وخبرتهم النضالية الوازنة، حيث لم يعد بإمكانهم أن يطؤوا مقر الحزب المركزي في جادة العرعر العامرة، وسيتم تعويضهم بالربع الضامر الذي تبقى من الحزب، بدعوى التشبيب أحيانا وتجديد النخب مرة أخرى. وقد نتج عن هذا الإفقار الحزبي ترسيخ لتقليد جديد، يستبدل خيرة أطر حزب القوات الشعبية باستيراد واستجلاب المناضلين الضامرين من الأحزاب الإدارية ومن باعة أسواق شراء الذمم، مما أفضى إلى انتكاسة تنظيمية جعلت حزب الاتحاد الاشتراكي يختار أن ينزوي هامشيا، بالرغم من وجود حشوده الجماهيرية المعطلة الواسعة، وأن يصاب بالشلل المزمن، وبحالة جمود واضح جعلته ينزل إلى أدنى المراتب القياسية في تاريخه النضالي على مستوى التمثيل البرلماني، حيث وصل بالكاد وبمشقة عسيرة إلى التقاط أعضاء فريقه البرلماني المتواضع من بقايا الأحزاب الصغيرة، بعد أن تعرض الحزب لما أسميه وهم التطور إلى الأمام وسراب التقدم الذي يحسبه الظمآن ماء.

لقد صار “الضمور المُقَنَّع” في المجال السياسي والتنظيمي هو الخط الناظم الذي يوَجه مسار “السردية الاتحادية”، والخصيصة المميزة منذ المؤتمر التاسع هي الضعف السياسي الذي أصاب حزب الاتحاد الاشتراكي. إننا ما زلنا نتعامل مع المشاركة في الحكومة كنزهة سياحية عابرة بدون مراقبة أو محاسبة من جهة الحزب للوزراء الحزبيين، وكمثال على الضمور الحكومي تجدر الإشارة إلى أن مشاركتنا في الحكومة الأخيرة كانت بمثابة فضيحة كارثية عندما قام أحد الوزراء الاتحاديين بتقديم مشروع (قانون 20-22) يتعلق بتقنين وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح، والشبكات المماثلة. لقد عبرت الحكومة في إبانه وأحزاب الموالاة عن ارتباك عاجز في تدبير ومناقشة هذا القانون مع الفِرق البرلمانية، الذي يمس بالحريات العامة، ويقوم بـ”تكميم أقلام الصحفيين” العاملين في وسائط التواصل، ويعاقب بأقسى أحكام القانون الجنائي في قضايا تتعلق بحرية التعبير. ورغم أن هذا المشروع- القانون يتضمن بنودا جيدة تتعلق بحماية القاصرين وذوي العاهات العقلية في المساس بسلامتهم النفسية والجسدية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فإن بعض مواده جاءت بعيدة عن المنطق، وهي التي أثارت موجة غضب بين فئات المجتمع، لأن هذا القانون يتقاطع مع حرية الفكر والتعبير المضمونة للجميع بكل أشكالها، ويتناقض بذلك مع بعض المقتضيات الدستورية، وهذا ما يدعو إلى التساؤل عن الدواعي التي دفعت الوزير الاتحادي إلى العمل على محاولة تمريره خِفية وبطريقة ملتبسة وغامضة، مع العلم أن هذا الأمر عند اكتشافه أدى إلى جدل كبير في المجتمع بمختلف أطيافه، فتم تأجيله بعد تخصيص لجنة وزارية لمدارسته وإحالته بعد ذلك على البرلمان للمصادقة النهائية. وحسب منتقديه يتعرض للسجن والغرامة أو إحدى العقوبتين من يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح “في الدعوة إلى مقاطعة منتوجات أو بضائع أو خدمات وطنية أو التحريض على ذلك”. وكان المغرب قد شهد حملة مقاطعة بسبب غلاء الأسعار تضررت على إثرها بعض الشركات، كانت من أبرزها آنذاك شركة الغاز التي يديرها رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش ورئيس حزب الأحرار، واعتُبر هذا التأجيل لمشروع القانون بمثابة سحب غير مباشر بعد افتضاح أمره من لدن جهات حزبية معادية ومنافسة لحزب الاتحاد الاشتراكي، كما أجمعت الصحافة على أنه ممنوع تداوله تحت ضغط الرفض الشعبي.

لم يكن الانتقال إلى المؤتمر العاشر سلِسا، بل كانت تطبع أجواءه فوضى غير خلاقة لاستفراد الكاتب الأول بالقرارات السياسية والتنظيمية واستحواذه على الترشح الانفرادي لولاية ثانية بدون افساحه المجال للتنافس الحر، كما وقع في المؤتمر التاسع مع بقية المتنافسين للتباري على رأس قيادة الحزب، في خرق صارخ لمبدإ التعددية التنظيمية ودون اهتمام جدي بالتقرير الأدبي الذي لم يحصد موافقة المكتب السياسي، مع إفقار للاختلاف الفكري الذي أدى إلى إقبار تباين وجهات النظر المختلفة، مما سيؤدي إلى انتكاسة سياسية وتنظيمية نتيجة لهيمنة الصوت الواحد الذي يدبر شؤون الحزب، كما حدث مع موقف الكاتب الأول من حَراك الريف الذي اتَهَم مناضليه بالنزوع الانفصالي، وأن “شكوكا تحوم حول خلفيات وأهداف حراك الريف”، ولم يتراجع عن هذا الموقف الموالي للأغلبية الحكومية إلا بعد أن صده المناضلون الاتحاديون في الكتابة الإقليمية لحزب “الوردة” بإقليم الحسيمة، الذين اعتبروا أن تصريحات الكاتب الأول إدريس لشكر “حول حَراك الريف متناقضة تماما مع البيان الختامي للمؤتمر الوطني العاشر”.

كما طبع أشغال المؤتمر العاشر استعمال الكاتب الأول لسلطته المركزية عند انتقائه واختياره قائمة أعضاء المكتب السياسي، وكذلك أعضاء المكتب الوطني، وتم إقصاء البعض من “المعارضين العشرة” الذين حضروا المؤتمر، ثم قاطعوا أشغاله لأسباب، أهمها الترشح الانفرادي للكاتب الأول إدريس لشكر لولاية ثانية. وباستثناء اللحظة المضيئة العابرة حزبيا، التي تمثلت في إنجاح العمل الوحدوي باندماج الحزب العمالي والحزب الاشتراكي في البنية الحزبية من أجل إعادة توحيد وبناء الحزب الاشتراكي الكبير، فإن انفراط عِقد الوحدة أمام النزيف التنظيمي الذي أصاب المؤتمر التاسع، من خلال استقطاب الدخلاء الجدد، الذين صار الحزب يستجلبهم إلى صفوفه في كل محطة انتخابية على حساب مناضلي الاتحاد الحقيقيين.

لقد انخرط حزب الاتحاد الاشتراكي في الانتخابات الأخيرة، التي عرفت إقبالا مُواطنيا واسعا وارتفاعا حماسيا منقطع النظير، خصوصا في المناطق الجنوبية، حيث أبان المواطنون عن مواطَنة حماسية مغربية رفعت نسبة المشاركة الانتخابية للجماهير إلى مداها، ولقت صدى واسعا لدى الرأي العام الوطني والدولي. لكن بالرغم من هذا الوضع المفارق الذي يعيشه الحزب، نجد أن الكاتب الأول إدريس لشكر يصرح لجريدة “القدس” قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة عن تنبؤاته الاستشرافية، التي رأى فيها أن حزب “الوردة ” (سينتقل من 20 برلمانيا إلى أن يتبوأ الصف الأول). ومن هنا يمكننا أن نسأله بتواضع كبير، مع الشاعر الكبير فتحي سرور في مسرحيته “منين أجيب ناس؟” فالناس قليلون أو بالأصح المناضلون قليلون والكلام كثير. ومن جملة البدع التي استحدثها الكاتب الأول ما أسميه الإيديولوجية الشفاهية، التي تتمثل في تصريحاته العديدة قبل انطلاق الحملة الانتخابية، وتتعارض مع مقررات المؤتمر وإيديولوجية الحزب، والتي لا تلزِم إلا قائلها، كما نجدها في القاموس الدخيل على حزب “الوردة”، الذي انتشر في الحملة الانتخابية الأخيرة، وليس له أدنى علاقة مع فكر ونضال الاتحاد الاشتراكي، ويتجلى في منح الكاتب الأول بسخاء كبير التزكية للانتخابات لمن لا يستحقونها، لأن الحزب لم يعد على لسان الكاتب الأول يشترط في المترشحين شروط الكفاءة والالتزام الحزبي، بل صارت تمنح جهارا للخارجين عن التنظيم الحزبي بدعوى أنهم أغنياء أو “أعيان”، حسب تعبيره، يمتلكون الثروة لشراء الذمم. وهذه الحالة ليست سوى الوجه الآخر لما كان يسميه الاتحاديون الفساد الانتخابي. والأدهى والأمَر أن المسؤولين صاروا يستعملون هذه الورقة لتتمة إفراغ الحزب من منضاليه الأوفياء، ولا يخجلون في ترهيب المناضلين الحزبيين الأقحاح باستعمال فزاعة عدم امتلاكهم الثروة لشراء التزكية الحزبية والقيام بالحملة الانتخابية، التي صارت تمنح في الحزب بأريحية باذخة لفئة اجتماعية مارقة، لا يُعرف لها ذكر في أدبيات الفكر الاشتراكي، أو تمنح لبعض المتخلى عنهم الوافدين من جهة بعض الأحزاب الإدارية الصغيرة، وأحيانا تمنح في إطار تصريف الخدمات المتبادلة (مرشحة مراكش مثلا). وقد نتج عن تزايد أصحاب الشكارة الذين فازوا بالمقعد البرلماني في الانتخابات الأخيرة، أنهم سوف يكون بمُستطاعهم مستقبلا، وتحديدا في المؤتمر المقبل، أن يحدثوا انقلابا في البنية الديموغرافية والتنظيمية والتقريرية والتنفيذية لحزب “الوردة”، ستؤهلهم لفرض “هيمنتهم” بالمعنى الغرامشي كأغلبية كمية وعددية على كل دواليب القرار في حزب الاتحاد الاشتراكي، فإذا أخذنا مثلا الفوز الأخير للحزب بـ35 مقعدا وبفارق خمسة عشر برلمانيا عن التجربة السابقة، فإن هذا التقدم العددي والافتراضي المتضخم لا يعني أن الحزب يتقدم إلى الأمام، خاصة إذا عرفنا أن المناضلين الأوفياء للحزب في هذه القائمة لا يتجاوز عددهم اثني عشر برلمانيا، بينما البقية من فئة “الأعيان” الدخلاء الجدد على حزب القوات الشعبية، وسوف يؤثر هذا التحول الديمغرافي الجديد على الأداء السياسي الحزبي مستقبلا، حيث إن مشاركتهم في الحملة الانتخابية كانت شبه غائبة، ففي دائرتي الانتخابية انتظرت طيلة فترة الحملة الانتخابية زيارة مرشحنا، الذي يعد من الأعيان الجدد، للمجيء إلى الدائرة التي أسكن فيها، لكنه لم يفعل، فرفع بذلك عني الحرج، لأنني حتى يوم التصويت لم أكن أعرف اسمه أو صورته. كما أن قراءة تأويلية لقائمة البرلمانيين الفائزين في الانتخابات كانت على حساب المناضلين الأوفياء الذين لم يفوزوا في قِلاع الاتحاد بمدينة الدار البيضاء والمدن الكبرى، مقدما بذلك رسالة سلبية للمناضلين الأوفياء بأن مستقبل الحزب سيكون بيد الأعيان، وأنه انتقل من حصون المدن الحواضر الاتحادية إلى المدن الصغرى القريبة من البوادي، وهذا له دلالته الإيديولوجية التي تفصح أن الحزب غير معطفه السياسي، وتعرض لعملية ترييف كاسحة لبنيته التنظيمية وإبعاده عن الطبقتين الوسطى والصغرى، اللتين كان ينتمي إليهما، والحاضنتين دوما لقيم الأنوار والتغيير، وكذا إفراغه من طاقته الإبداعية الخلاقة وجعله كباقي الأحزاب الإدارية الأخرى مجرد رقم كمي لا يقدم للمشهد العام أدنى إضافة تذكر. في هذا المساق، يمكن فهم سحر هذه الأرقام (35 )عضوا برلمانيا، بالفارغة من كل معنى إيجابي، لأنه لم ينج منها إلا اثني عشر برلمانيا من المناضلين الأقحاح والباقي من “المؤلفة قلوبهم”. وقد تم الترويج لهذا الرقم السحري على أنه انتصار باهر للحزب يستحق التبريكات والتهاني من الأحزاب الشقيقة، لكن هذا الرقم تم تضخيمه افتراضيا “كالقط يحكي انتفاخا صورة الأسد” لأن هذا الرقم للاعتبارات التي ذكرناها أعلاه، لا يعبر عن التقدم المتوجه إلى الأمام. إنه أشبه بالمشي على “سجادة الرياضيين المتحركة” Tapis Roulant، التي كلما ركضْتَ فإنك لا تبرح مكانك. لقد تذكرت في هذا الصدد قولة خالد الذكر الأستاذ عبد الرحيم بوعبيد، عن المقاعد البرلمانية الفارغة، عندما فاوضوه على مقعده المستحق في أغادير، فقال قولته الشهيرة: “إن المقاعد لا تهمنا إذا كانت مزورة”.

إننا لا نفكر في المعارضة إلا عندما نُحْصر فيها قسرا، وعلينا أن لا ننظر إلى التواجد في المعارضة بالمقارنة مع التجربة التي خاضها الحزب قبل حكومة التناوب، لأننا ببساطة “لا ننزل إلى النهر مرتين”، كما قال الفيلسوف اليوناني، ومغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، بتغير رجالاته ومساقاته المرجعية واختلاف مكونات المعارضة وبتبادل أدوار الفاعلين فيه. إن التواجد في موقع المعارضة ليس بالأمر الهين، وقد اخترنا جهة المعارضة ليس عن طواعية، أو كما يقال رُب ضارة نافعة. لقد أثبتنا بأن القيام بالمعارضة يستلزم أن تمتلك الآليات الرافعة لكسب الرهان من أجل الحصول على أغلبية أصوات الناخبين وللوصول إلى السلطة وتشكيل الحكومة، وكسب مزيد من المؤيدين والأنصار للحزب وإيجاد البرامج التعبوية باعتمادها على جماعات الضغط والنقابات الاجتماعية والجمعيات الثقافية التي لها تأثير في الوسط الاجتماعي، وكذلك، وهذا هو الأهم، بتوحيد حزب “الوردة” الكبير، من خلال مناضليه الأكفاء لأجرأة هذه الاختيارات والمرامي، التي تبقى اليوم بعيدة المنال، لكن أملنا كبير في أن نجعل من المؤتمر القادم فسحة للعمل والتفكير والاستنهاض في واقع ومآلات الحزب والمجتمع، وكما قال طيب الأثر المناضل الديمقراطي عبد الرحيم بوعبيد: “إن الاتحاد الاشتراكي نهر جارف لا يجف مهما كانت فصول السنة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *