تمدد الجائحة يفضح الخطابات “الشعبوية” ويعيد الاعتبار للبحوث العلمية

اعتبر الدكتور إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن الدول التي كانت تستأثر فيها قيادات شعبوية برئاسة الدولة أو الحكومة، كانت أكثر تضررا من تداعيات جائحة كورونا، سواء على مستوى الإصابات والوفيات أو الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية، بسبب الاستهانة بخطر الوباء وعدم اتخاذ ما يلزم من تدابير استعجالية وفي الوقت المناسب.

وأوضح مدير مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات، في مقالة له تحت عنوان: “الشعبوية في زمن الأزمات”، توصلت بها جريدة هسبريس، أن الخطاب الشعبوي ساهم في التقليل من خطورة الوباء وعدم اتخاذ التدابير الاستباقية اللازمة، واعتماد قرارات داخلية وخارجية مرتجلة.

وشدد الأستاذ الجامعي على أن تمدد الوباء في صفوف العديد من الدول أثر سلبا على الخطابات الشعبوية وروادها، وأعاد الاعتبار للبحث العلمي الذي طالما حوّل الأزمات إلى فرص على امتداد التاريخ البشري.

وهذا نص مقال لكريني:

أصبح مصطلح “الشعبوية” يستعمل كثيرا في الأوساط السياسية والفكرية في الوقت الراهن للإشارة إلى اتجاهات فكرية وممارسات اجتماعية، وخطابات ترتبط بتيّارات، غالبا ما تحيل إلى القدحية والديماغوجية. والواقع أنه بالعودة إلى القواميس العربية والدولية في هذا الشأن، نجد أن المصطلح يحيل إلى الشعب، وإلى الاتجاهات الفكرية التي تنحو إلى قدر من الواقعية في تناول قضايا المجتمع، والتوجه بصورة مباشرة ومبسطة بالخطاب إلى الجمهور، أو السعي لتعبئة المجتمع في مواجهة نظام سياسي قائم، وطبقات سياسية ترفض التغيير، من خلال المراهنة على الزعيم البطل والمنقذ، كسبيل لتجاوز مختلف الإحباطات والهزائم.

وغالبا ما يرتبط ظهور هذه النزعات بأزمة مرحلية يفرزها التّحول السياسي لبعض الدول، وقد اقترن المفهوم بالتحولات السياسية الكبرى التي شهدتها أمريكا اللاتينية منذ ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي مع “بيرون” الذي حاول إقناع الطبقات الفقيرة بسياساته، ومع الزعيم الفنزويلي الراحل “هوجو تشافيز”، والرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”.

ومع تطور تكنولوجيا الاتصال الحديثة، استطاعت هذه التيارات أن تبلور خطابا تواصليا جديدا، تمكّنت من خلاله أن تنفذ إلى المجتمع، وتجاوزت به أزمة التواصل السياسي التي طبعت لعقود عدة علاقة الإعلام والأحزاب والنخب الحزبية التقليدية بالمجتمع.

وغالبا ما تقوم الشعبوية على رفض سلطة الأثرياء والشركات الكبرى والنخب، بل يرى البعض أن روادها يخاطبون عواطف الأفراد أكثر من عقولهم، بما يسهل التأثير عليهم، وتوجيههم. وقد استغلت هذه التيارات استياء فئات مجتمعية عريضة من الأوضاع السياسية والاجتماعية ومن الأزمات الاقتصادية، وكذا تراجع الثقة في النخب التقليدية، وضعف أداء الأحزاب السياسية في عدد من الأقطار، للترويج لطروحاتها وأفكارها.

وتسعى هذه الاتجاهات إلى الحدّ من حضور النخب داخل المجتمع، حيث تعتبر أن استئثارها بالسلطة غالبا ما يكون في غير صالح فئات أخرى واسعة داخل المجتمع، ولعل هذا ما يعطي لخطاباتها التحريضية قدرا من المقبولية في أوساط بعض الفئات الفقيرة والمهمشة، وعادة ما تقدم هذه التيارات أجوبة مبسطة وغير عقلانية وتطبعها العمومية حول عدد من القضايا والإشكالات المعقدة، كما لا تتوانى عن توظيف نظرية المؤامرة كسبيل لتفسير وتحليل عدد من الأزمات والأحداث والقضايا ذات الطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي، بل تصل خطاباتها أحيانا إلى مستوى إطلاق الإشاعات وتضليل الرأي العام.

ويقوم الخطاب الشعبوي على حشد الجماهير وإطلاق مجموعة من الشعارات والوعود الوردية، من خلال أشخاص يتقنون فن الخطابة والتأثير في الجماهير، وتعتبر هذه التيارات أن مخاطبة الشعب لا تقتضي بالضرورة توافر آليات مؤسساتية، أو قنوات وسيطة تقليدية كالأحزاب وهيئات المجتمع المدني.

تتباين الرؤى تجاه هذه التيارات بين من يرى فيها حركات احتجاجية ضد المعضلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن يعتبرها مجرد أصوات مرحلية تظهر كلما حلت الأزمات والكوارث بالمجتمعات، سواء تعلق الأمر بدول ديمقراطية أو شمولية.

لا يخلو أي مجتمع من وجود خطابات شعبوية تقوم في مجملها على رفض العولمة، والتحولات الصناعية، والتكتلات الكبرى، وتوظيف المؤامرة في تفسير الكثير من القضايا والأزمات. ويعتقد كثير من الباحثين أن الشعبوية تمثل خطرا حقيقيا خلال فترات الأزمات، فاعتمادها على توظيف هذه الأخيرة، واستغلال حالة الهلع التي ترافقها، عبر تقديم وصفات مبسطة وحلول سطحية، لا يخلو من مجازفة، مع الدعوة إلى الانكفاء في عالم متشابك المصالح.

يؤكد عدد من الباحثين أن الشعبوية تفرز مخاطر وانعكاسات تهدد الحاضر والمستقبل، بالنظر إلى تداعياتها على الممارسة الديمقراطية وما يتصل بها من تشاركية ونقاشات عمومية، بتكريسها للرأي الأوحد وتهميش وتغييب الكفاءات الحقيقية، فهي من هذا المنظور امتداد للتيارات الاستبدادية المتمسكة برفض الآخر الذي غالبا ما تخوّنه.

وفي الوقت الذي يقدم فيه الشعبويون أنفسهم وكأنهم المنقذون من الأزمات والمعضلات المختلفة التي تعاني منها الشعوب، فإنهم غالبا ما يتعاطون مع مختلف المخاطر والتهديدات بالتجاهل، أو التعامل معها بشكل سطحي، بدل مقاربتها بصورة عقلانية وعلمية، علاوة على تكريس مناخ من الشك والخوف والإحباط داخل المجتمعات.

مثلت جائحة كورونا محطّة لكشف حجم الثقل الذي تحظى به الخطابات الشعبوية وقياديها داخل المجتمعات، ففي الوقت الذي كان الأمر يتطلب اعتماد تدابير وإجراءات على قدر من العقلانية والعلمية، بدأ الترويج لكثير من الإشاعات والأخبار الكاذبة، والمؤامرات، والحلول المبسطة وغير محسوبة المخاطر، وهو ما أتاح تمدد الوباء، بل وخروج الأمر عن السيطرة في بعض الدول.

وقد أظهرت الممارسة الميدانية أن الدول التي كانت تستأثر فيها قيادات شعبوية برئاسة الدولة أو الحكومة، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة في عهد “دونالد ترامب”، وبريطانيا في عهد “بوريس جونسون”، والبرازيل بقيادة “جايير بولسونارو”، كانت أكثر تضررا من تداعيات الجائحة، سواء على مستوى الإصابات والوفيات أو الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية، بسبب الاستهانة بخطر الوباء، وعدم اتخاذ ما يلزم من تدابير استعجالية وفي الوقت المناسب.

ففي عهد “ترامب” تنامي الخطاب الشعبوي، حيث وجه الكثير من النقد إلى النخب السياسية القائمة بطريقة لا تخلو من ابتذال واستفزاز في بعض الأحيان، إضافة إلى التقليل من خطورة الوباء وعدم اتخاذ التدابير الاستباقية اللازمة، واعتماد قرارات داخلية وخارجية مرتجلة أثارت الكثير من التساؤلات، مما أساء بشكل ملحوظ للمكانة الدولية لأمريكا ولديمقراطيتها.

وبقدر ما سمحت الجائحة بتصاعد الخطابات الشعبوية في بدايات ظهور الوباء، فإن تمدد هذا الأخير، وما خلفه من خسائر كبيرة في الأرواح والاقتصاد والمعاملات على المستويين الوطني والدولي، وفرض تدابير صارمة لتطويق الخطر، وبروز أهمية التكنولوجيا الحديثة في الحد من الكوارث والأخطار، والمراهنة على اللقاحات التي أعلنت كثير من الشركات العالمية طرحها تباعا، كلها عوامل أثرت سلبا على الخطابات الشعبوية وروادها، وأعادت الاعتبار للبحث العلمي الذي طالما حوّل الأزمات إلى فرص على امتداد التاريخ البشري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *