منطقة الساحل والمغارِب .. شراكة حتمية تجمع شعوب إفريقيا لمكافحة الإرهاب

أيام ثلاثة من النقاش حول مستقبل القارة الإفريقية وتحدياتها الأمنية وآمال شراكة أعمق تجمع مغاربها وساحلها، رافقت بداية موسم أصيلة الثقافي، الذي تستقبل المدينة دورته الثانية والأربعين.

وفي بيان ختامي لهذه الندوة المعنونة بـ”المغرب العربي والساحل.. شراكة حتمية؟”، أعلنت مؤسسة منتدى أصيلة، المنظمة لهذا الموعد الثقافي، إنشاء “جمعية أصدقاء أصيلة”؛ “دعما وتعزيزا للمبادئ الراسخة لموسم أصيلة الثقافي الدولي، ومساهمة في إشعاعه على الصعيد الدولي، وحرصا على القيام بكافة الخطوات والمبادرات الكفيلة بتكثيف علاقات التعاون وتعزيزها بين الدول الإفريقية”.

هذه الجمعية التي يعتزم المنتدى إنشاءها كانت ثمرة للنقاشات التي رافقت ندوات المغارِب والساحل، حيث اقترحت مداخلات إنشاء إطار يستمر فيه النقاش، والتعاون الإفريقي، سعيا لينعكس على حياة القارة.

كما ثمنت مؤسسة المنتدى “إصرار جميع المشاركين وعزمهم على نصرة مبادئ السلم والتنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية تماشيا مع الأهداف التي ينشدها المجتمع الدولي”.

وفي الندوات الأربع، ناقش متدخلون من المغرب ومالي والسينغال وليبيا وموريتانيا والكونغو وتونس مقومات ودوافع تكتل واندماج المنطقة، وتحديات الإرهاب والسياسة الأمنية في القارة، ورهانات التبادل والتكامل والشراكة الاقتصادية بين الدول المغاربية ودول الساحل.

وانطلقت الندوة من أرضية تقول إن المنطقة، التي تضم دول الساحل والمغارب، مجال “مترابط الحلقات والمحددات والمصائر، بمكونه الصحراوي الواسع، وتركيبته البشرية التي هي حصيلة تداخل وامتزاج المجموعات المتعددة التي يتكون منها النسيج الديمغرافي لهذا الفضاء الإقليمي الواسع”.

وترى هذه الندوة المتشبثة بمصير إفريقي مشترك أن منطقة المغارب والساحل تعرف “أوجه تداخل تاريخي تعبر عنه الدول والإمبراطوريات والممالك، التي تقاسمت في مراحل شتى السيطرة على هذا المجال”، وهو “امتزاج وثيق” كرسته الحقبة الراهنة “من خلال تجارب حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار، وممارسات بناء الدولة وأوجه التعاون في المجالات الاقتصادية والتنموية المتعددة”.

وبفعل تداخل الحدود المشتركة، تسجل الأرضية أن “مقومات التنسيق والتفاعل والاندماج الحي تفرض التفكير الإستراتيجي المعمق حول صيغ وآليات إدارة التحديات الكبرى التي تعرفها هذه المنطقة برافدَيها في شمال إفريقيا وغربها”.

أليون سال، سوسيولوجي سينغالي المدير التنفيذي لمعهد «فيتير أفريكان»، افتتح سلسلة النقاشات بمساءلة علامة الاستفهام التي وجَدَت مكانها في متم عنوان الندوة “شراكة حتمية”، قبل أن يجدد التأكيد في ختامها على أن “المغارب والساحل وجهان لإفريقيا بصيغة الجمع، إفريقيا حية، ومثيرة للاهتمام”، مع تشديده على “وجوب تغيير الوضع الراهن” بالقارة التي لا تتعدى فيها المبادلات بين بلدانها 10 في المائة، في حين تقطع 90 في المائة المتبقية الحدود البحرية الإفريقية.

وساءل أليون سال نماذج تنمية استفادت منها نخب “دون أن يكون الأثر المنتظَر في الموعد”، حيث “زادت عدم المساواة، بدل العكس المفترض مع زيادة التنمية”.

ورأى المتدخل في التبادلات الإفريقية التي يجري معظمها خارج سوق الدول الإفريقية فرصة مستقبلية للتنمية، ودعا إلى “البحث عن وسائل تكثيف التبادلات” بين دول القارة، ولو أن أسباب الوضع الراهن متعددة إلا أن “الوضع يجب تغييره”؛ فـ”لنا فرص يجب أن نستفيد منها، وهذا ممكن، ومقرون بنا، وبفعلنا”.

من جهته، تحدث أحمدو ولد عبد الله، الدبلوماسي الموريتاني والمبعوث السابق لمنظمة الأمم المتحدة، عن القلق الذي يبعث عليه ارتباط منطقة الساحل بالإرهاب، قبل أن يزيد: “إذا آمنا بالمؤامرة لن يمكننا التحرك، ويجب علينا الالتزام بمسؤوليتنا كشعب وحكومات”.

وعاد وزير الخارجية الموريتانيا سابقا إلى فترات كان فيها الإرهاب يعني “الألوية الحمراء” بإيطاليا، و”بادر ماينهوف” بألمانيا، وغيرها، قائلا: “عندما بدأ الإرهاب بالساحل، وأنا سفير، رأيته كمسألة عابرة”.

وتابع الدبلوماسي الموريتاني: “أسباب الإرهاب تنبع غالبا من ضعف داخل المجتمع، من عدم احترام للسلطة، أو عدم حضورها، الفقر عامل؛ لكن عدم العناية بالساكنة سبب أكبر (…) فنجد فرقا بين “الدولة الرسمية” المتمثلة في العواصم والسفارات والوزارات (…) وبين “الدولة الواقعية”، منذ 60 سنة التي هي تقريبا مدة تماثل فترة الاستعمار”.

وبعيدا عن التركيز على مدى حكامة سياسات عدد من الدول الإفريقية، تطلعت كلمة ولد عبد الله إلى تقديم أجوبة عملية عن “سبيل الخروج من هذه الأزمة”، والأثر الممكن لـ”أقلمة سياساتنا” على دول المنطقة؛ واسترسل قائلا: “الإرهاب ليس قدرا (…) وتكلفته غالية بسبب الاقتصاد غير المنظم المرتبط به (…) والساحل مكان لقاء (…) ليس قدره المحتوم الإرهاب”.

وأكد الدبلوماسي، في الإطار نفسه، أن تقوية الدول ومحاربة الفساد والتنظيم الأحسن وتحمل المسؤوليات والتضامن طريق المنطقة من أجل “مواجهة الإرهاب” وتجويد العيش.

وتطرقت مداخلات أخرى إلى حاجة مرافقة دول من أجل السلام “غير المفروض”، وإبعاد “إنكار الواقع” وتحميل جهة واحدة المسؤولية لما يعكسه ذلك من “شعور بأن الماليين لا يملكون قرار اختيار مستقبلهم”، والحوار حتى مع المجموعات العنيفة عندما تكون لها القابلية، وأبرزت أوجه العلاقة بين المغارب والساحل التي يمكن أن يكون فيها “الإسلام رافعة للسلام”، مع استحضار أن “الصراع ليس سؤالا دينيا، بل إن الدين يُستحضَر لشرعنة العنف، ولكنه يبقى عاملا يمكنه عقلنة المشاكل العميقة”.

وحول إشكال الإرهاب بمالي، استحضرت مداخلات تاريخ الصراع بين شمال وجنوب هذه الدولة، ومسار انعدام الثقة بينهما، والنسيان في زمن الحماية لتاريخ العطاء الثقافي والديني لهذه المنطقة التي “يكفيها أن فيها تمبكتو التي كانت إحدى الحواضر الإسلامية المهمة”، قبل أن تتعمق المشاكل بعد استقلال “السودان الفرنسي”، وعدم الانسجام، وبقاء قضايا المواطنة والعدالة الاجتماعية والإقناع بمشروع الدولة خارج النقاش، مع التوقف عند لحظات التمرد، والأثر الراهن المتمثل في سجن خيرات طبيعية “قد لا تجد من يستخرجها لصالح سكان مشردين في دول الجوار”، وفق تعبير الصحافي الموريتاني عبد الله محمدي.

من جهته، انتقد الباحث الكونغولي جان كلود فيليكس تشيكايا استعمال مفاهيم تساهم في الحط من القارة الإفريقية، مثل “المساعدات” و”تحت النمو” و”التنمية” و”العالم الثالث” و”باقي العالم”… كما انتقد تقسيمات دولية ترى القارة “بناء على رواية إثنية، جماعاتية، مغلقة”، تسهم في تنمية الرؤى “المناطقية والجهوية” الضيقة؛ مثل الحديث عن المنطقة المغاربية وإفريقيا، وكأن المغارب ليست جزءا من القارة.

ودافع الباحث عن أطروحة ترى في توحيد طاقات المنطقة المغاربية والساحل، “قوة، ستكون المجال الاقتصادي العالمي الأقوى”، بعيدا عن الوضع الراهن للتبادلات التي لا تستفيد من أغلبها القارة الإفريقية ودولها.

وحول مقصد اللقاءات التي نظمها الموسم حول العلاقة بين المغارب والساحل، قال محمد بن عيسى، أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، إن هذه المدينة كانت “النافذة الصغيرة الأولى التي فتحت من طرف الخواص على إفريقيا، وبدأنا هذا الكلام عن التعاون بين الدول الإفريقية منذ بداية الثمانينيات مع ليبولد سيدار سنغور”، كما “نظمنا لقاءات وندوات وجوائز حول إفريقيا”.

وتابع المتحدث في تصريح لـ هسبريس: “نعاني الآن من مخاطر أمنية كبيرة في المنطقة، من إرهاب واقتتال، وتعشيش فيالق إرهابية… ولا يمكننا أن ننام بهدوء. كما أن المغرب مهدد في وحدته الترابية من الإرهاب”، فبالتالي تناقش الندوة هذه التحديات، باستحضار “رؤية ثقافية وحضارية”؛ هي أن “الساحل والمغرب العربي، عملة واحدة بوجهين؛ وجه عربي ووجه إفريقي”، كما سبق أن قال سنغور، علما أن المغرب مختلط، ومنطقة الساحل مختلطة أيضا.

وسجل بن عيسى أن نقاش هذه الندوة الذي سيستمر بعدها “قد يكون مادة مهمة ورؤية عملية لصانعي القرار”، علما أن “الرغبة في مد جسور التعاون والتكامل قائمة؛ لكن يوجد من ينظر إليها من جانب النظرة التعاونية التكاملية، ويوجد من ينظر إليها بنظرة الاستحواذ”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *