“الجثة الملغزة” .. كوكاس يقتفي أثر “خيوط العنكبوت” في ملف بن بركة

ينكأ الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، في الذكرى السادسة والستين لاختطاف و”اغتيال” المهدي بن بركة، جرحا مغربيا وإنسانيا كبيرا، بمحاولة اقتفاء أثر هذه الجريمة، التي مازالت كثير من البياضات الكبيرة تمنع استجلاء الحقيقة الكاملة بشأنها.

في الجزء الأول من هذا المقال الطويل، يتوقف كاتبنا عند الطعم الذي وضع لاصطياد المهدي، وعن الخطة التي طبخت على نار هادئة، وعن التقاء مصالح استخبارات عالمية متعددة، وعن مشاركة مجرمين وحماة مفترضين للقانون في هذه الجريمة.

الجزء الأول

في أي محاولة لبناء معرفة مدققة بالشهيد المهدي بن بركة يحتاج المرء إلى الكثير من الموضوعية والصدق وإلى ما تسميها زكية داوود “البراءة” في محاولة كتابة حياة هذا الزعيم السياسي الذي وشم مرحلة بكاملها، لكن كيف يمكن للمرء أن يكون موضوعيا وبريئا أمام لغة ليست محايدة، فكلمات: “شهيد، مناضل تقدمي، اختطاف، اغتيال”.. تجعل المرء متورطا في السياق السياسي الذي مازال يجذب إليه أحياء عديدين، إذ مثلما استنتج دانييل غيران في قراءته لسيرة المهدي: “هذا الميت ستكون حياته صعبة، هذا الميت ستكون له الكلمة الأخيرة الحاسمة”، لكن هل مات المهدي بن بركة حقا؟.

فللموت طقوس، شهادة وفاة وجثمان وقبر .. والأسرة لم تتسلم جثة ولا أقامت مأتما حول الجثمان، لذلك فموت بن بركة يظل موتا افتراضيا معادلا لطبيعة جريمة الاختطاف وسياقها، حتى بعد مرور كل هذا الزمن، ولهذا الغياب الطويل، ولعل هذا ما جعل زوجة بن بركة السيدة غيثة تصرخ: “هذا الانتظار تقريبا منهك”، وهو ما دفع الوزير الأول اليوسفي في استجوابه مع القناة الفرنسية “تي في 5” يوم 13/09/99 إلى القول: “لا أعتقد أن ما نعرفه الآن حول قضية المهدي بن بركة من الحقيقة المؤكدة في شيء. رأيي الشخصي هو أن المعطى الثابت والموضوعي هو أن بن بركة ركب سيارة مع لوبيز..كل ما تبقى يظل في رأيي مجرد سيناريو تم رسمه من طرف السيد لوبيز”.

ما طبيعة السيناريو الذي رسمه لوبيز؟ وما هي الاجتهادات التي حاولت بناء سيناريو الاختطاف بناء على تصريحات الشهود وعلى تأويل ملفات القضية؟ في السياق التالي نحاول رسم سيناريو عملية الاختطاف وملابساته بناء على ما تداولته العديد من الكتب التي اهتمت بالقضية في تفاصيلها، والأطراف المخططة والمنفذة ونحاول تسليط الضوء على بعض الخطوط الدقيقة في ملف اختطاف الزعيم المغربي.
العميل الشتوكي يلقي بالطعم..

بعد فوزه في انتخابات ماي 1963 بمقعد برلماني بالرباط، وبعد السياق الذي عاشه الحقل السياسي، يقرر المهدي بن بركة مغادرة المغرب يوم 15 يونيو 63. لم يكن الكثيرون يتصورون أن لحظات الوداع الأخيرة لهذا الفارس قد زفت.. متنقلا عبر عدة عواصم دولية، ظل المهدي يقود حركته المبادرة إلى تقوية التقارب بين الأنظمة التقدمية العربية وجر قاطرة المنظمة الأفرو-أسيوية والتنسيق بين حركات التحرر، إعدادا لمؤتمر القارات الثلاث بمدينة هافانا في يناير 66.

مثل بطل تراجيدي كان المهدي يسير نحو موته كقدر شخصي، لم يراوغه يوما حتى بعد حادث قلب الصخيرات، ظل يتحرك بديناميته المعهودة ومرحه المشبوب برائحة الطفولة؛ كان حلمه أقوى من كل الفخاخ المنتصبة أمام ناظريه، في الوقت ذاته كانت خيوط عملية الاختطاف تُنسج بدهاء في الأروقة السرية لأجهزة الاستخبارات الفرنسية والمغربية والأمريكية والإسرائيلية أيضا، كانت لكل طرف دوافعه، ومنذ النصف الأول لعام 65 ستبدأ أولى عمليات تعبيد الطريق لتنفيذ خطة الاختطاف، من خلال اتصالات العميل الغامض “العربي الشتوكي” الذي يرمز له تارة بـ (ه ت)، مدير أمن سابق بوجدة، وتارة بـ”الميلود. ت”، فيما يسميه لوبيز “عباس”.

هذه الاتصالات سيجريها “الشتوكي” مع فيليب بريني، الصحفي العامل بمجلة “مينوت” الذي كانت له علاقات مع زعماء الحركة الوطنية.. في مقهى السلام، سيتم إغراء الصحفي بـ40 مليون فرنك لإنشاء وكالة الصحافة التي كان يحلم بها مقابل استدراج المهدي للقاء الجنرال أوفقير. وسيقترح الشتوكي مناسبة المؤتمر الأفرو-أسيوي بالجزائر لتمرير بن بركة عبر الحدود المغربية، بدعوى أن السلطات الجزائرية ستُغمض العين مقابل تسليمها المعارض الجزائري الكولونيل صادوق، الذي يأتي عادة إلى المغرب. كان العرض مغريا، لكن بريني لم يساير الخطة، لذلك سيفكر مباشرة في فيلم حول التحرير، وسيتعرف في ما بعد على جورج فيغون الذي سيصبح الرجل المفتاح في القضية.

وفي اللقاء الثاني مع الشتوكي الذي كان برفقة فرنسي بعد أسبوع سيطَمئن العميل المغربي الصحفي بريني بأن كل شيء سيكون تحت حماية السلطات العليا الفرنسية، بتنسيق مع وزير الداخلية أوفقير. وحسب الكاتب “جان بول مارك” فإن بريني قرر ألا ينغمس في الخطة دون احتياطات، لذلك سينذر شقيق المهدي بما يحيط بالزعيم المغربي من مخاطر لضمان قربه من بن بركة، حتى إذا فشلت الخطة بقي محافظا على حسن نيته.

ولتقوية الضمانات من حوله سيحضر بريني بواسطة المحامي مراد صديق الكولونيل صادوق الذي غادر باريس حول الخطة التي وضعها الشتوكي، الذي فتح قنوات للتواصل، إذ تعرف على بوتشيش الذي قدمه بدوره لأصدقائه ووضعهم تحت إمرته.

إلهي… لا تتخل عني

لم يكن أمر تخطيط اختطاف بن بركة مقصورا على جهة واحدة، إذ في أبريل 65 سيطلب من الموساد تصفيته، إذ كلف دافيد كيمجي بتقديم الطلب، فسافر بجواز سفر بريطاني إلى لندن بحجة قضاء العطلة، ليتوجه بعد جولة إلى المغرب بجواز سفر مزور، حيث استقبله أوفقير، وصرح له وهما على مأدبة عشاء بأن ما يريد هو رأس بن بركة.. وفي اليوم الموالي ذهبا معا إلى روما حيث قابلهما “مائير عاميثّ”، رئيس الموساد، وتم الاتفاق على أن تحضر الموساد العملية. وبسبب شكوك مائير في أوفقير اشترط موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول الذي وافق على الطلب، حيث بدأ العمل بإرسال يهودي من أصل مغربي إلى جنيف، سيتمكن من التسلل إلى صف المحيطين ببن بركة، وينقل كل تفاصيل تحركاته إلى مركز اتصالات الموساد، ليتولى الأخير بعث الرسائل المشفرة إلى الجنرال أوفقير.

في بداية ماي 65 سيستضيف أوفقير بالرباط العميل أنطوان لوبيز، الذي كانت له شبكة من العلاقات الفرنسية والإسرائيلية والأمريكية وبين المغاربة، فقد كان يلقب بصديق المغاربة، وسبق لزوجته أدويت لوبيز أن انتخبت كملكة جمال للمغرب.

كان لوبيز يعمل كمخبر لشرطة الآداب بولاية الأمن وكمفتش رئيسي في الخطوط الجوية الفرنسية بأورلي، لقد استغل وظيفته لربط علاقات مع شخصيات وازنة في المغرب وأخرى إجرامية بباريس؛ وسيعتبر الوسيط الأساسي في تدبير تنفيذ عملية اختطاف المهدي بن بركة.

في يونيو 65 سيبعث مارسيل لوري مذكرة إلى جهاز الاستخبارات الفرنسي يفصل فيها المعلومات التي استجمعها عميل الأمن الخارجي لوبيز حول “استرجاع بن بركة” بمبادرة من أوفقير، وسيتم استعمال طعم الصحفي بريني الذي فاتح بن بركة في شأن مشروع فيلم عن زعماء التحرير بعنوان “كفى BASTA”، حيث ذكر اسم فرانجو كمخرج وجورج فيغون (مخبر للشرطة) كممول.

لكن مارسيل لوري لم يتلق أي جواب، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام، فالسلطات الفرنسية كانت على علم بجميع التفاصيل، تنقلات المهدي، نوايا الجنرال أوفقير، واتصالات الشتوكي… فلماذا لم تقدم الحماية للزعيم المغربي؟ ولماذا لم تتبع خطوط العملية لتفادي وقوعها؟.

سيناريو الفيلم.. سيناريو الاستدراج

في الضفة الأخرى، كان بن بركة يتنقل بين عدة عواصم في أفق انعقاد الاجتماع التمهيدي لمؤتمر القارات الثلاث، إذ حل بالقاهرة يوم 2 شتنبر 65، وهناك ستبدأ الخيوط الملتبسة للعملية، إذ سيسافر “اللغز المحير” العربي الشتوكي الذي ظل ينقل كل التفاصيل إلى الجنرال أفقير، ويمول تنقلات المتعاونين مع الصحفي بريني وجورج فيغون بدعوى تقديم سيناريو الفيلم للمهدي بن بركة. وقام فيغون بتسهيل تجديد جواز السفر في دقائق قياسية بمساعدة شخص يدعى فواتو، نائب الشرطي سوشون الذي سيقدم “الغطاء القانوني” لاختطاف المهدي.

في مصر، ستشعر المخابرات المصرية بتعقب شخص مشبوه (يعتقد أنه الشتوكي) لظل المهدي، وبمحاولة الفرقة الخاصة العاملة تحت إمرة أوفقير اختطافه، لذلك نصحت عائلة المهدي بتغيير مقر السكنى.

وفي 15 شتنبر بمطار أورلي بفرنسا، عندما حطت طائرة بن بركة وصديق يهودي يدعى “جو أوحنا”، هاتف الصحفي بريني. لم يكن المهدي يستشعر خيوط العنكبوت التي بدأت تنسج حوله، لذلك لم يأخذ حذره الكافي. وحسب بريني فإن العميل الشتوكي في ذلك الحين كان قد ضرب له موعدا في حانة مونطانا بسان جيرمان دي بري، رفقة شخص له هيئة مجرم ضليع، حيث اقترح عليه مبلغ 40 مليون فرنك فرنسي للمشاركة في استعادة المهدي، ولما رفض غاضبا طمأنه الشتوكي بأنه فقط أراد سبر أغواره، ودفعه ليحث صديقه بن بركة على قبول العودة إلى المغرب. وبالفعل كانت هناك خيوط للتواصل بين القصر والمهدي لترتيب العودة، إذ أرسل الراحل الحسن الثاني عمه مولاي علي في أبريل 65، والتقى بن بركة في سرية بفرانكفورت، ليعرض عليه العودة في سياق تحقيق انفراج ديمقراطي بالمغرب؛ ورغم تحفظات المهدي حينها فقد أرسل شقيقه عبد القادر إلى المغرب لترتيب عودة العائلة، لكنه وجد نفسه وراء القضبان لولا تدخل مولاي علي. وساءت الأمور أكثر بعدها، ذلك أن أحداث 23 مارس 1965 ستطرح علامة استفهام كبرى، إذ جرت الاستخبارات المغربية نحو لبس تهمة تدبير الانتفاضة للمهدي؛ ولعل هذا مصدر لغز الاستمارة الشهيرة الموجهة إلى بن بركة، التي عثر عليها ضمن الحاجيات الشخصية لمحور عملية الاختطاف جورج فيغون، وهيئت من طرف المحامي والبرلماني بيير لومارشان؛ وهي الاستمارة التي تبرز كما لو أن المهدي كان العقل المدبر لأحداث مارس 65.. فالتهمة جاهزة لتبرير الاغتيال.

بداية نسج خيوط العنكبوت حول رقبة المهدي

في 20 شتنبر سيسافر العميل “العربي الشتوكي”، منسق العمليات بين باريس والرباط، إلى جنيف، حيث يلتحق به فيغون وبريني في الطائرة نفسها التي كان بها المحامي والنائب الديغولي بيير لومارشان، الذي ادعى في التحقيق أنه سافر من أجل موكل له يدعى “إيتنبول”، ومع توالي البحث تبين أن أحد الركاب، ويدعى “إيتنبول”، سافر إلى المغرب بعد اختطاف بن بركة في 30 أكتوبر 65. ويوم 22 شتنبر وجه مارسيل لوري مذكرة أخرى إلى الاستخبارات الفرنسية يحكي فيها تفاصيل هذا السفر وترتيباته، ما يؤكد أن لوبيز كان يشتغل لحسابه الخاص بدهاء كعميل مزدوج، إذ يبلغ الأمن الفرنسي بالتفاصيل ويستفيد من علاقته بأوفقير.
ولربط حلقة الوصل بين المغرب وفرنسا، كان الماحي الغالي، وهو عميد شرطة ممتاز ، يعمل بديوان مدير الأمن المغربي بالرباط، وقريب أوفقير من جهة زوجته، ورجع يوم 5 أكتوبر 65 إلى باريس التي سبق أن سجل نفسه بمدرستها العليا للدراسات التجارية في غشت 1965 كموظف تابع لوزارة الداخلية المغربية، حيث التقى الشتوكي، أحد مساعدي الدليمي، الذي طلب منه أن يدله على منزل أنطوان لوبيز ، “ملك الخدمات المتبادلة”، الذي سيصبح دليل أوفقير الأساسي وصديقه بوتشيش، وهو مجرم خطير يدير فندقين للدعارة في باريس وآخر في البيضاء، ومعروف لدى الأمن كأحد أصحاب السوابق العدلية باعتباره ينتمي إلى عصابة “جو عطية”؛ ما يدل على أن مخططي عملية اختطاف المهدي بن بركة أخذوا يبحثون عن الأيادي القذرة للتنفيذ.

وفي اليوم الموالي سيسافر جورج فيغون والشتوكي إلى جنيف، حسب تصريحات لوبيز الذي سيلتحق بهما بعد عودة عميل مغربي جديد يدعى جبايلي، وهناك ستبدأ ترتيبات سيناريو الفيلم ومصادر تمويله التي رفض بن بركة أن تكون إسرائيلية، وعندما مده فيغون بنصف مليون فرنك فرنسي رفض تسلمها ونصح باستثمارها لصالح أعمال اجتماعية. وفي العاشر من أكتوبر سيبلغ جورج فيغون لوبيز بتفاصيل الاتصالات الجارية، الهادفة إلى استدراج بن بركة ثم اختطافه وتصفيته.

ومع توالي الأيام لتحضير عناصر الدراما الحزينة، كانت في كل مرة تبرز خيوط جديدة في القضية، منها الأسماء التي كانت تنسق في الخفاء، مثل رجل الأعمال إيلي ترجمان، صديق أوفقير، والكولونيل والمحامي النائب بيير لومارشان، الذي سيتأكد بعد وجوده في سويسرا يوم 6 أكتوبر بالقرب من محيط العملية أنه يلعب لصالح الجنرال أوفقير.

ظلت الاجتماعات والتحضيرات جارية على قدم وساق بين رجال الأمن المغاربة والعملاء والمجرمين الفرنسيين، وهكذا سيتم وضع بعض اللمسات على الخطة يوم 25 أكتوبر بمنزل أحد أصدقاء بوتشيش، حيث حضر الشتوكي ولوبيز والكولونيل عبد السلام الصفريوي والعربي الشلواتي والماحي؛ ويتعلق الأمر ببيير دوبان، الملقب بـ”بييرو”، أحد الحراس الخاصين للمجرم “جو عطية”، وجان باليس، الملقب بـ”جانو”، وجوليان لوني، الملقب بـ”ديدي الكبير”؛ بالإضافة إلى المجرم رقم واحد بوتشيش الذي سيلتحق في اليوم الموالي للاختطاف بزوجته وابنته في المغرب.

يوم 27 أكتوبر على التاسعة والنصف مساء اتصل بن بركة من جنيف بمنزل بريني، واقترح عليه تخصيص الأيام الثلاثة الأخيرة من أكتوبر لمناقشة الفيلم بعد قدومه لباريس، محددا معه موعدا للغداء بأحد مطاعم سان جيرمان، ومبلغا إياه بأنه سيكون صحبة مؤرخ شاب قد يفيد في التعاون معه. ولم يكن هذا الشاب غير الطالب الزموري، وهو ما وصل إلى علم الموساد، إذ بعث مركز اتصالاته رسالة مشفرة إلى أوفقير، يخبره بالتفاصيل.

من جهته سيقوم الصحفي بريني بإخبار فرانجو كمخرج للفيلم بإبلاغ فيغون، وفي الوقت ذاته كانت المناوشات والاتصالات تتكاشف بين مديري العملية ومنفذيها، وهكذا سيجري الشتوكي مشاورات مع لوبيز وسوشون يوم 28 أكتوبر على الساعة التاسعة مساء، لوضع آخر اللمسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *