“الجثة الملغزة”.. كوكاس يعيد سرد تفاصيل جريمة يوم “29 أكتوبر الأسود”

ينكأ عبد العزيز كوكاس، في الذكرى السادسة والستين لاختطاف و”اغتيال” المهدي بن بركة، جرحا مغربيا وإنسانيا كبيرا، بمحاولة اقتفاء أثر هذه الجريمة، التي مازالت كثير من البياضات الكبيرة تمنع استجلاء الحقيقة الكاملة بشأنها.

في الجزء الثاني من هذا المقال الطويل، يقربنا كاتبنا مما حدث يوم 29 أكتوبر 1965، الذي سيظل “وشما في الذاكرة”. كيف جاء المهدي بن بركة إلى قدره المحتوم، ومن هم الضالعون الرئيسيون في عمليتي الاختطاف والاغتيال، والبياضات الكبيرة التي رافقت الأسئلة العديدة، دون أن تجد لها جوابا.

2/3

خطوات نحو الجحيم السري

لم يكن يوم 29 أكتوبر 1965 عاديا بكل المقاييس، لا بالنسبة للمهدي، الميت/ الحي الذي كان محافظا على مواعيده دون اتخاذ احتياطاته اللازمة، وهو المناضل الثوري والرجل السياسي الذي يعرف أن رأسه مطلوب من طرف أكثر من جهة، لكن أيضا بالنسبة لمنفذي العملية ومدبريها على السواء، خاصة أن الخطة تسير نحو ساعة الصفر.. هكذا ستتوالى الأحداث بسرعة متتالية لكنها مضبوطة. في التاسعة صباحا سيتصل أنطوان لوبيز برئيسه في المخابرات لوري لإشعاره بمقابلة بن بركة لبعض المغاربة ظهر اليوم، وأنه لن يحضر إلى أورلي لاستقبال الجنرال جاكيي، المدير العام للمخابرات الفرنسية العائد من ليشبونة. وسيلتحق لوري مبكرا بأورلي رغم أن الاستقبال كان سيتم في نهاية الصباح، وفي الوقت نفسه كان المهدي يتوجه إلى المطار نفسه، وقد تم إشعار الأمن الفرنسي بمغادرته من طرف مصلحة الأمن الجوي.

بزقاق جان ميرموز يستودع المهدي أمتعته عند صديقه “جو أوحنا”، ويجري بعض المكالمات الهاتفية، في الآن نفسه كان المخبر لوبيز والمفتش الممتاز سوشون يتواجدان في فناء نوتردام، ينتظران إشارة الضوء الأخضر من مراكز السلطة العليا التي هي أوبير، مديرة ديوان وزير الداخلية الفرنسي، حسب سوشون، ولومارشان، وفق نقابة الشرطة.

يتنقل سوشون إلى مكتبه للبحث عن مساعده فواتو الذي صرح بأن المفتش الممتاز سبق أن قال له إنه سيحتاجه في خدمة تتعلق باعتقال مهرب مشهور يحمل وثائق مزورة.

على الساعة 11 صباحا، يلتقي بن بركة الطالب الزموري في ساحة شان إيليزي، ثم يتوجهان إلى سان جرمان دوبري على متن سيارة أجرة، وذلك قبل الموعد المقرر في مقهى ليب، حيث طلب منه المهدي إنجاز دراسة وتحليل تاريخي حول حركات التحرر في القارات الثلاث، بالإضافة إلى المساهمة في فيلم “كفى”، وقدم له السيناريو الذي أنجزه فرانجو. بالموازاة مع ذلك، سيطلب العميل الشتوكي من لوبيز الاتصال بالرباط ما بين الرابعة والخامسة مساء، وتحديدا بمدير ديوان الدليمي ومدير ديوان الجنرال أوفقير. محتوى المكالمة لا يتجاوز الشفرات الملغزة: “ألو طردك جاهز”، “لقد وصل ضيفك”… كانت عناصر العصابة المكلفة بتنفيذ العملية هناك قرب مقهى ليب: لوبير متنكرا، ولوني يجوب الشارع جيئة وذهابا، وفي الجانب الآخر من الشارع هناك سوشون وفواتو، البعض يطالع جرائد فرانس سوار للتمويه، والبعض الآخر يراقب حركات الطريدة، والكل ينتظر التعليمات، وفيما كان المهدي بقامته القصيرة وخطواته المستعجلة دوما كأنه يسير نحو قدره، لأنه كان يحترم مواعيده.. حتى مع قدره المحتوم، يتجول مع الطالب الزموري في انتظار الموعد، تقدم الشرطي سوشون بلوحته المعدنية على الساعة الثانية عشر والربع زوالا وقال للمهدي: “اتبعني من فضلك”، مخاطبا الزموري: “لا أنت لا، ابتعد من هنا”. محتفظا بهدوئه التام، سار المهدي بن بركة بخطوات واثقة أمام سوشون وفواتو، كانت تلك آخر نظرة للزموري وهو يرى المهدي يسير أمام “الشرطة”؛ وحسب تصريحاته، فإن تلميذ المهدي بثانوية مولاي يوسف بالرباط اعتقد أن الأمر كان يتعلق بحملة تفتيشية ضد الاتحاد الوطني، ولأنه أصيب بالرعب ولم يرد التورط في العملية، فقد ذهب للاختباء عند إحدى عشيقاته، لكن لماذا لم يبلغ الشرطة لتدارك الأمر؟ ولماذا لم يخبر أوساط الطلبة أو أحد أقارب المختطف إلا بعد وقت متأخر؟ هذا الصمت أثار الكثير من القلق، خاصة أن زوجة الزموري السكرتيرة في مقر حلف الناتو ببروكسيل ستصبح بعد الاختطاف السكرتيرة الخاصة لسفير الولايات المتحدة الأمريكية بالرباط، والزموري نفسه سيوجد مشنوقا بعد ذلك.

ما العلاقة بين هذه الخيوط؟ ألا يتعلق الأمر بأيادي المخابرات المركزية الأمريكية؟. حسب جوردن توماس في كتابه “التاريخ السري للموساد” فإن الموساد كانت حاضرة في عملية التحضير للاختطاف، غير أن عميلها “أوحنا” الذي وصل مع بن بركة من جنيف إلى فرنسا أحس بمحاولة إبعاده من طرف صقور المخابرات الفرنسية، فأخبر رئيسه دافيد كيمجي الذي اتصل بدوره برئيس الموساد مائير عاميث، الذي استشعر خطورة ما يدبر في الخفاء، فطلب من العميل الإشراف على تقديم الدعم دون التورط المباشر في الاغتيال.

ألو الرباط.. الطرد جاهز

على متن سيارة “سديس” سيختطف جهاز محاربة التجسس الفرنسي بن بركة، ويقتاده إلى فيلا بوتشيش في فونيتاي لوفيكونت… أمام المنزل الريفي في ضواحي باريس كان باليس وبوشيش ينتظران الطرد الجاهز، إنه المهدي الذي أنزل بهدوء، قيل له: “إن الرئيس يريد رؤيتك”، فصدق.

وفي الطابق الأول، طلب بن بركة كأس شاي فجاء به المجرم دوباي. لحظة بعد ذلك، سيلتحق فيغون عبر سيارة أجرة بالمجموعة. كان المهدي جالسا بهدوء على كرسي يقرأ موسوعة للشباب، يدخن سيجارته ويحتسي الشاي، لكن مع مرور الوقت سيتقدم بوتشيش ليخبره بأن الرئيس سيتأخر، بسبب لطوارئ.

في الجهة الأخرى، كان أصدقاء المهدي في حيرة من أمرهم، فهذا الرجل الملتزم بمواعيده إلى درجة يمكن ضبط عقارب الساعة على خطواته غاب فجأة بشكل ملتبس. السيد الطاهري الذي ظل ينتظر بن بركة طيلة الصباح ليحضر معه عرضا مسرحيا سيقوم بإبلاغ خبر اختطاف المهدي، وهو نفسه ما قام به أخ المهدي عبر القادر بن بركة، خاصة بعد اتصالات جرت بين الطاهري وسي ناصر، أحد مناضلي الأوساط الطلابية، حيث أبلغه الزموري بواسطة زوجته خبر إلقاء الشرطة القبض على المهدي. وفي 12 زوالا، سينتدب مفتش الشرطة الكايد من طرف رؤسائه لإخبار السيد عبد القادر بن بركة بأن أي مصلحة للأمن الفرنسي لم تقم بإلقاء القبض على أخيه.

ما بين الواحدة والواحدة والنصف زوالا، اتصل لوبيز هاتفيا بالسيد بوالو، مساعد لوري، لإشعاره بما حدث، ولم تفقد خيوط الهاتف بين الرباط وباريس حرارتها. ففي 4 و 19 دقيقة بعد الظهر، اتصل لوبيز وسوشون من مكتب للبريد بمطار أورلي مباشرة بإدارة الأمن الوطني وبوزارة الداخلية بالرباط، وفي التاسعة مساء، سيتصلان بأوفقير بمكناس: “ألو – إن الطرد وصل – طيب نحن قادمون”. وبالفعل فقد أخبر الجنرال الدموي لوبيز وسوشون وهو بفاس حوالي العاشرة وعشرين دقيقة بأنه قادم إلى باريس في الغد على الساعة الثالثة مساء، وهو ما تم تأجيله بساعتين في ما بعد، حيث حل المسؤول المغربي ووجد في استقباله الشتوكي والغالي الماحي، الذي صرح بأنه كان ينتظر قدوم زوجته ليلى بالمطار، فطلب منه الجنرال حجز غرفة بفندق روايال، لن يستغلها أبدا.

نام بن بركة يوم الجمعة دون تناول عشائه، فقد بدأ يستشعر بعض ما يدبر له، ويوم السبت 30 أكتوبر سيصل الدليمي، مدير الأمن الوطني، إلى مطار أورلي على الساعة الثانية بعد الزوال؛ وبعد ثلاث ساعات، يصل الجنرال أوفقير إلى المطار نفسه ويتوجه رفقة لوبيز إلى فيلا بوتشيش. في الآن نفسه، وصل الدليمي رفقة المدعو العشعاشي إلى فونطوناي لوفيكونت على متن سيارة لوبيز، فصعد دوباي ووضع منوما في كأس شاي للمهدي شربه للتو، وبعض ربع ساعة صعد بوتشيش إلى الطابق الأول ففهم بن بركة ما يدبر له، فقفز من كرسيه وأخذ يدافع عن نفسه بجنون، إذ كان لمنوم فيرغان مفعولا عكسيا تحول معه بن بركة إلى مقاتل شرس. ونجح المجرمون الأربعة دوباي ولوني وبوشيش وباليس في شده بعد أن أشبعوه ضربا وأوثقوه، فصعد الدليمي والعشعاشي، وعندما رآهما المهدي هدأ في ما يشبه الاستسلام…

أوفقير والمهدي.. عدوان وجها لوجه

حينما وصل أوفقير كان يبدو مرحا للغاية لوقوع عدوه الأول في المصيدة. وحسب رواية دوباي، التي وردت في كتاب علي بوريكات (الذي كان بأحد المعتقلات السرية بالرباط وأطلق سراحه فطلب اللجوء السياسي إلى أمريكا، وفي كتابه يتحدث عن رواية دوباي الذي كان معتقلا معه أيضا، ويرسم خريطة مكان دفن جثة بن بركة التي تم نقلها من فرنسا عبر طائرة عسكرية)، فإن أوفقير بدأ يذبح حنجرة المهدي وصدره بطرف السكين بلذة سادية. أما لوني فيحكي أنه حين جاء أوفقير ارتمى على المهدي بن بركة وشد خناقه صائحا: “ها أنت أيها الوغد بين أيدينا”، واستل خنجرا لكن بوتشيش اعترض قائلا: “ليس في منزلي”. أما صاحب كتاب “التاريخ السري للموساد” فيحكي كيف أشرف الجنرال أوفقير شخصيا على استنطاق بن بركة وتعذيبه حتى الفجر فأعدموه والتقط أوفقير مجموعة من الصور الفوتوغرافية للجثة قبل أن يتم دفنها في حديقة المنزل، وطار الوزير المغربي ومعه الصور.

كان للخبر الذي نشرته “لوموند” حول اختفاء المهدي والزيارة المفاجأة التي قام بها الجنرال أوفقير إلى باريس مساء 30 أكتوبر 1965 دوي الصاعقة في الأوساط الفرنسية.. مع حلول الليل، كان المنفذون والمخططون للعملية يشربون كؤوس الشامبانيا لمداراة الجريمة، ففي 10 و30 دقيقة مساء رافق انطوان لوبيز عائلته إلى لواري عائدا إلى بيته، حيث وجد أوفقير والحسوني (ممرض تخدير) ودوباي وفيغون مجتمعين.. في اليوم الموالي، 31 أكتوبر، سينتشر الخبر القنبلة، ففي الساعة السادسة صباحا سيتناول الجنرال أوفقير فطوره مع لوبيز صحبة مغربيين آخرين قبل أن يتوجه إلى جنيف في طائرة الثامنة والنصف، وفي التاسعة سيتقدم عبد القادر بن بركة بشكوى لدائرة الأمن شانزليزي ثم يتوجه إلى مقر الشرطة القضائية، حيث سيستقبله في الساعة العاشرة العميد المداوم مارشان، وفي الوقت نفسه وعلى الساعة 9 و35 كان الدليمي والشتوكي والحسوني الممرض والصقلي يستقلون الطائرة نحو المغرب.

في الحادية عشرة و35 دقيقة، من مقر بلواي، يهاتف لوبيز لوري ليخبره بتوجه أوفقير إلى المكان الذي اقتيد فيه بن بركة بالأمس. وهكذا كان المخبر لوبيز يضرب عصفورين بحجر واحد؛ فمن جهة يقدم المعلومات التفصيلية لتحركات المسؤولين المغاربة وتنقلاتهم للمخابرات الفرنسية، ومن جهة أخرى يعمل لحسابه الشخصي، خاصة أنه كانت هناك ترتيبات لتعيينه في منصب بإدارة الشركة الشريفة للخطوط الجوية (لارام).

في فاتح نونبر 1965، مع التباشير الأولى للصباح، يخبر العميد كاي من الاستعلامات العامة لولاية الأمن بأن أحد الخيوط المؤدية إلى اختطاف المهدي بن بركة تتمثل في جورج فيغون، الذي شارك في العملية، ويحاول الاتصال بمحاميه بيير لومارشان، النائب الديغولي، وعلى 9 و 40 دقيقة سيتوجه المجرم بوتشيش إلى الدار البيضاء حسب الترتيبات، وفي حدود 11 والنصف تتم أول جلسة استماع للصحفي فيليب بريني، حيث اتهم الشتوكي وأوفقير بتدبير الاختطاف، ووصف موقف جورج فيغون بالمشبوه.

وهكذا توالت الأحداث بشكل متسارع.. يوم الإثنين 2 نونبر 65، على الساعة الثامنة صباحا، يهاتف النائب والمحامي بيير لومارشان العميد باي، الذي صرح بأنه علم بالدور الذي لعبه المخبر أنطوان لوبير في الاختطاف. وعلى الساعة 12 يقابل فيغون محاميه لومارشان.. في الوقت ذاته كانت أسرة بن بركة تسارع ضد الوقت لرفع الصمت عن مصير ابنها، إذ قام عبد القادر بن بركة على الساعة الواحدة و 45 دقيقة بالإجراءات القانونية للشكاية، ونصب نفسه طرفا مدنيا، وتم تعيين السيد لويس زوليجر قاضيا للتحقيق.

ولما عاد نائب مدير الشرطة القضائية لولاية الأمن بباريس، ورئيس الشرطة الجنائية، العميد موريس بوفيي، من عطلته، استأنف عمله في “الكي دي روزفيفر”، وتسلم مسؤولية البحث في اختفاء المهدي بن بركة. ويستنتج من المعطيات الأولية التي أعدها العميد المداوم في إدارة الاستعلامات العامة أن فيغون ولوبيز متورطان في القضية، وكانت أول خطوة قام بها موريس بوفيي هي الاستماع إلى شقيق المهدي عبد القادر بن بركة، واستدعاء الصحفي فيليب بريني.

بعد التفتيش توصل المفتش كانتان والشرطة الجنائية إلى وجود ضيعة واسعة في ملكية المجرم جورج بوتشيش، الذي تربطه علاقات ودية بصديق الطفولة أنطوان لوبيز، صاحب فيلا جان دارك، وأنه كانت هناك حركات مشبوهة بين الفيلتين يوم الحادث.

يوم الأربعاء 3 نونبر 65، يعترف سوشون أمام مديره السابق في شرطة الآداب العميد أندري سامبي بمشاركته في الاختطاف بمعية فواتو. وسيرفع العميد سامبي تقريرا في القضية إلى مدير الشرطة القضائية ماكس فيرني الذي سيخبر بدوره موريس بابون، والي الأمن، الذي تولى نقل تقرير إلى السيد روجي فراي، وزير الداخلية الفرنسي، الذي لم يخبر النيابة العامة ولا قاضي التحقيق بالأمر، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام تبقى مفتوحة رفقة بياضات واسعة لم يُجب عنها التحقيق إلى اليوم؛ فقد صرح مفتش الشرطة الممتاز سوشون بأنه عندما اقتاد بن بركة على متن سيارة مصلحة وبدون رخصة إلى فيلا بعيدة في الضاحية بمعية مجرمين معروفين، عوض التوجه إلى مقر الشرطة القضائية، فإنه لم ير في ذلك ما هو غير سوي، وبأنه أراد إسداء خدمة لعميله لوبيز الذي أراد تسهيل اقتياد بن بركة لملاقاة أوفقير، مقابل ما كان يسديه المخبر لوبيز للشرطة، وبأنه أخبر مرؤوسيه بذلك، وهو ما أنكره وزير الداخلية الفرنسي روجي فراي، نافيا أي علاقة تربطه بأوفقير الذي لم يتعرف عليه أكثر من مرة.

هل كان الأمر يتعلق بمحاولة حماية جهاز الأمن الفرنسي المنخور بعد تورطه في العملية القذرة؟ وما علاقة روجي فراي بالقضية؟ وكيف صرح في ما بعد أمام الجمعية الوطنية بأنه أول من فوجئ بحضور أوفقير دون أن يُخبر بذلك؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *