نظام الجزائر يستغل “حادث الشاحنتين” لتصريف العداء المتجذر تجاه المغرب

يُواصل “قصر المرادية” تحرّكاته الدعائية بعد قرار مجلس الأمن الدولي الذي أشار إلى الجزائر بوصفها طرفا رئيسياً في النزاع الإقليمي، من خلال رفعه وتيرة التصعيد تجاه المغرب في الفترة الأخيرة، بما في ذلك الواقعة الميدانية بخصوص الشاحنتين في المنطقة العازلة.

بذلك، يواصل النظام العسكري حملته الدعائية إزاء المملكة المغربية، التي ازدادت حدتها منذ فصل الصيف المنصرم، سواء بتحميل الرباط مسؤولية الحرائق المندلعة في غابات “تيزي وزو”، أو بعدم تجديد عقد توريد الغاز إلى إسبانيا عبر الأنبوب المارّ من التراب المغربي، أو باتهام الجيش المغربي بقصف الشاحنتين.

وفي مقابل التصعيد الجزائري، يتمسّك المغرب بلغة الحوار والهدنة بشأن تلك الاتهامات، وهو ما عبّر عنه مصدر مسؤول لوكالة “فرانس بريس”، أمس الأربعاء، بتأكيده أن الرباط “لن تنجرّ إلى الحرب”، ليبرز أن “المغرب لن ينساق وراء تلك الاتهامات والاستفزازات”.

غموض مكان الحادث

تطرح “حادثة الشاحنتين” أسئلة كثيرة بخصوص مكانها على مقربة من الجدار الأمني (25 كيلومترا تقريباً)، إذ ادّعت الجزائر أن الأمر يتعلق بشاحنات مدنية مخصصة للنقل التجاري، لكن مكان الحادث بعيد تماماً عن المعبر التجاري الذي يربط موريتانيا بالجزائر.

كيف تسمح الجزائر لمواطنيها المدنيين بالعبور من هذه المنطقة التي تنتشر فيها الألغام؟ ولماذا لم تُوجه القوات الحدودية الشاحنتين نحو المعبر التجاري الآمن بين الجزائر وموريتانيا؟ ولماذا بقي هيكل الشاحنتين “سالماً” بشكل نسبي إن تعلّق الأمر بهجوم حربي عبر سلاح متطوّر (الدرون)؟ أسئلة وأخرى تضفي الغموض على الواقعة.

ودخلت قيادة الأركان العامة للجيش الموريتاني على خط الحادث الذي وقع شمال بلاد شنقيط، إذ نفت وقوع أي “هجوم” داخل التراب الوطني لهذه الدولة المغاربية، داعيةً إلى “توخي الدقة في المعلومات، والحذر في التعامل مع المصادر الإخبارية المشبوهة”.

توريط الجانب الموريتاني

بالنسبة إلى الموساوي العجلاوي، أستاذ باحث في مركز إفريقيا والشرق الأوسط للدراسات، فإن “حديث الجزائر عن قصف الشاحنتين بواسطة الطائرات المُسيّرة يبقى محل تساؤلات كثيرة، لأن هذا السلاح المتطور لا يمكن أن يخلّف هيكلا قائماً بدون شظايا، فيما تظهر الصور الملتقطة أن الشاحنتين تعرّضتا لحريق معين”.

وأورد العجلاوي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “استعمال القنابل والألغام ينبغي أن يُشوّه هيكل الشاحنتين، لكنه مازال سالماً”، ثم زاد شارحاً: “الحادث وقع على بعد 25 كيلومترا من الجدار الأمني، فيما ينبغي أن تمرّ الشاحنتان من المعبر التجاري بين البلدين الذي جرى افتتاحه سنة 2018”.

ولفت الباحث المتتبع لقضية الصحراء إلى أن “سماح القوات الحدودية الجزائرية بمرور الشاحنات عبر تلك الطريق بدلاً من المعبر التجاري البعيد كل البعد عن مكان الحادث يشير إلى وجود أهداف أخرى من غير المرامي التجارية”، مبرزاً أن “الجزائر تسعى إلى توريط موريتانيا في النزاع الإقليمي بعد قبولها قرار مجلس الأمن”.

تصريف الأزمات الداخلية

صبري الحو، محام خبير في القانون الدولي ونزاع الصحراء، قال إن “الاستفزازات تسير في النهج نفسه الذي رسمته الجزائر منذ بداية السنة، لاسيما صيف هذه السنة، إذ انعقد مجلسها الأعلى للأمن أكثر من ثلاث مرات على الأقل، وكان موضوعه المغرب على الدوام”.

وأضاف الحو، في حديث لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الجزائر قرّرت إعادة تقييم العلاقات الثنائية، ثم قطعتها مع المغرب، قبل أن تمضي في اتجاه عدم تجديد عقد الغاز، بالموازاة مع محاولة الضغط على دول أعضاء مجلس الأمن قبل وأثناء انعقاد جلسة النظر في الحالة الدورية للصحراء المغربية، لتنتقل الآن إلى محاولة إثارة هجوم مغربي”.

وشدد الخبير ذاته على أن “تلك الوقائع تدل على استعمال الطرف الجزائري نظرية بسمارك القائمة على محاولة إضعاف الجوار من أجل تصريف الأزمات الداخلية والتظاهر بالقوة الإقليمية، وهو ما تروجه الدعاية الإعلامية الجزائرية بكون البلاد القوة الضاربة”، مردفاً بأن “الاستفزازات مردها إلى الانهزام الكلي على مختلف الأصعدة”.

تعامل مغربي حذر

من وجهة نظر إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية ومدير مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات بجامعة القاضي عياض بمراكش، فالخطاب الجزائري “أصبح مفلساً لأنه يأتي في خضم مجموعة من المكتسبات المحققة من طرف المغرب بخصوصه ملفه العادل”.

ويرى لكريني، في تصريح لهسبريس، أن “المغرب تعامل بحذر مع كل محاولات الجزائر افتعال الأزمات، من خلال تبني خطاب تواصلي وعقلاني يستحضر مصالح المنطقة، وذلك بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين، ومن ثمّ لم ينجرّ إلى ردود فعل يمكنها أن تعطي مصداقية لما تريده الجزائر من خلط للأوراق في المنطقة”.

واستطرد الأستاذ الجامعي بأن “المغرب دعا على أعلى مستوى إلى فتح الحدود وتعزيز العلاقات لطي القضايا الخلافية، ما يجعل الجزائر في موقف محرج أمام المجتمع الدولي، لأن العالم استوعب حقيقة من ينحو إلى الحوار والسلم بهدف الحفاظ على استقرار المنطقة، ومن ينحو إلى التصعيد قصد إرباك الأوضاع الإقليمية”.

“تجذير” العداوة تجاه المغرب

عادَ الأستاذ الباحث في مركز إفريقيا والشرق الأوسط للدراسات الموساوي العجلاوي للحديث عن الاستفزازات الجزائرية بقوله إن “المقاربة الجزائرية فشلت في تدبير نزاع الصحراء، واستفزازها انعكاس للصدمة القوية التي تلقاها النظام العسكري بعد قرار مجلس الأمن 2602 الذي أصرّ على أن الجزائر طرف في النزاع الإقليمي، وطلب من المبعوث الأممي إلى الصحراء المغربية استدعاء كل الأطراف في هذا الإشكال الإقليمي”.

وأوضح العجلاوي أن “دبلوماسية الأبواق التي يمارسها النظام الجزائري حصرته في مأزق داخلي، وعكست عدم قدرته على تدبير وظائف الدولة على مستوى العلاقة مع المواطن الجزائري، بل عكست أيضا فشله حتى في تدبير محيطه الإقليمي، في مقابل إصراره على تبليغ العالم بوجود أزمة عميقة بين البلدين”.

وأردف الباحث السياسي: “مسألة الشاحنتين تجسّد الاتجاه الجزائري الرامي إلى تجذير العداوة تجاه المغرب، وإقناع الرأي العام الداخلي بأن النظام المغربي يحاول تدمير الوحدة الوطنية الجزائرية”، خالصاً إلى أنها “إجابة على مجلس الأمن الدولي بكونه يرغب في تغيير مرجعية نزاع الصحراء المغربية”.

سعيٌ جزائري إلى الحرب

المحلل السياسي المختص في قضية الصحراء صبري الحو سلط الضوء على مساعي هذه الوقائع الأخيرة، بإيراده أن “كل تلك الأحداث تذهب باتجاه الحرب، لأنها عبارة عن مزاج بشري يبدأ بالعقول، ولا يخضع لأي معادلات دقيقة؛ ولعل الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل تتمثل في إثارة الهجوم المغربي على الجزائر لتبرير ما قد تقوم به”.

واعتبر الحو أن “احتمالات الحرب كثيرة، بل قد تكون وشيكة، بعد أن فقد النظام الجزائري كل شيء”، ثم توقف عند هذه النقطة متسائلا: “ما الذي ستحققه الجزائر من محاولة إثارة الحرب على المملكة المغربية؟”، ليجيب عن السؤال بقوله إن “العقدة الجزائرية تتجسد في التأمين المغربي لمعبر الكركرات”.

وختم الخبير السياسي تصريحه بالإشارة إلى “انفتاح المغرب على عمقه الإفريقي بشكل كلي بعد أحداث الكركرات، وفكّ طوق العزلة الذي كانت تحاول الجزائر أن تلفّ به عنقه”، مؤكداً أن “النظام الجزائري يعبئ الجيش والمواطنين للقيام بمغامرة لن تتعدى المناوشة، بالنظر إلى الندية العسكرية بين الطرفين في الميدان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *