جامعة المعتمد بن عباد تتفحص في “موسم أصيلة” أزمة الديمقراطية الانتخابية

تشبث بالقدر الديمقراطي في مفهومه الواسع، رغم الأزمات الراهنة في إفريقيا والعالم العربي، حملته ثاني ندوات جامعة المعتمد بن عباد، التي ينظمها موسم أصيلة الثقافي في دورته 42.

وبحضور سياسيين وأكاديميين من المغرب والعالم العربي وأوروبا وأمريكا اللاتينية، فحص المتدخلون “أزمة الديمقراطية” وما يرتبط بها من أحزاب سياسية ومؤسسات وفضاءات تعبير وظروف العيش الإنساني، مع دعوة إلى التشبث بالدمقرطة في سبيل الكرامة الإنسانية.

وجعل منتدى أصيلة من موضوع “مستقبل الديمقراطية الانتخابية” في سياق “التغيير الهائل الذي يعرفه المشهد الجيو-سياسي والسياسي” موضوعا رئيسيا لهذا الموسم، خاصة مع صعود الحركات القومية والشعبوية والطائفية، والاهتمام المتزايد بالخصوصيات الهوياتية، والآثار الناجمة عن التغيرات المناخية وجائحة “كورونا”، واتساع دائرة الفوارق في معظم المجتمعات المتقدمة، والشعور المتزايد بانعدام الأمن في المجتمعات المفتوحة، واحتدام الصراع والتنافسية بين القوى الكبرى.

وفحصت سلسلة اللقاءات المنظمة في إطار هذه الندوة انبثاق ظاهرة التشرذم السياسي، وتآكل الديمقراطية التمثيلية، واندثار التعددية الحزبية، وتراجع دور المؤسسات، مع تنامي الشعور بـ”القلق الديمقراطي”. كما حضر بقوة سؤال المستقبل في المداخلات التي تشبثت بالمنهج الديمقراطي وما يقتضي من احترام لحقوق الإنسان ومأسسة، وسعي للمساواة وضمان حرية الرأي والتعبير والعدالة الاجتماعية والمناخية، بوصفه الحل من أجل تماسك المجتمعات والعيش الكريم لشعوبها ومن أجل مستقبل أفضل للبشرية.

في هذا الإطار، قال محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، إن موضوع مستقبل الديمقراطية الانتخابية “يشغل الفاعلين والباحثين والأكاديميين في الدول العريقة والدول حديثة العهد بالديمقراطية، ويشكل مصدر اهتمام وقلق حتى للنابذين للديمقراطية وغير المهتمين بجدواها”.

وأضاف بن عيسى في كلمته الافتتاحية للندوة أن “تزامن ظهور الشعور الرافض للديمقراطية في منتصف القرن الحالي مع الأزمات المالية والاقتصادية المتوالية، وكثرة فضائح الفساد وتوالي الأزمات السياسية، ساعد على انتشار عدم الرضى عند العموم”.

وواصل قائلا: “نعيش في خضم تحولات استراتيجية استثنائية، تراجعت معها المسلمات القديمة التي طالما ربطت بين استقرار الديمقراطية وازدهار الاقتصاد الرأسمالي، بينما يلاحظ العكس، أي أن الازدهار ساهم في تقوية النظم الاستبدادية المستندة إلى الحزب الواحد”.

وحول الديمقراطية وما يرتبط بها من قضايا مثل مستقبل العولمة، وأزمات الرأسمالية، وإشكالات التعددية، وظهور عالم متعدد الأقطاب، ومخاطر البيئة والثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والوباء الجماعي، سجل بن عيسى أن الحاجة إلى هذا النقاش تأتي في وقت “يتزايد فيه القلق والخوف الجماعي بخصوص مستقبل البشرية جمعاء”.

وفي هذا الإطار، قال لويس أمادو، وزير الخارجية البرتغالي سابقا، إن أزمة الديمقراطية التمثيلية موضوع راهن، باستحضار واقع العالم، والكوارث السياسية في إفريقيا، وفي القارة الآسيوية، وبأوروبا، وما يحدث في أمريكا بوصفها مرجعية للديمقراطية، وهي أزمة للسياسي، وتأويله للتغيرات المجتمعية والعلاقات الاجتماعية والعلاقة مع الطبيعة، وأزمة الأحزاب السياسية التي لها صعوبة في مواكبة الدينامية المتسارعة للأحداث.

وفي سياق الأزمة الوبائية، ذكر المتحدث أن الجواب السياسي والمؤسساتي أصعب مع عدم الاستعداد، خاصة وأن هذه الأزمة الراهنة ليست أزمة صحة عامة فقط، بل أزمة أمن، وتمثل للآخر وخوف منه، ونلمس “محدودية الجواب السياسي على التغييرات”.

وحول “الحاجة إلى ضبط الفعل العولمي”، قدم الوزير البرتغالي مثالا بالوضعيات التي أدى إليها سياق العولمة، والتي “يصعب ضبطها من السياسي، وهو ما زاد من عدم الانسجام”، في ظل عدم مساواة شاغلة جدا، وفي ظل الاحترار العالمي، وواقع الرقمنة.

وفي رأي المتحدث، فالعالم يسير نحو “مجتمع جديد واقتصاد جديد”، و”سيحدث هذا بسرعة، وبعنف كبير وحروب لا محيد عنها”.

وزاد أن “أزمة الديمقراطية نراها في أمة الرأسمالية، وأزمة الغرب أزمة وجودية”، ثم تحدث عن تحديات المناخ التي تواجه العالم والكوارث الكبرى المرتبطة بها، وهي أزمة “تفرض على العالم، علينا، تغييرا جوهريا. وقد طالب قادة عالميون تغييرا جوهري (في قمم المناخ) في حين كان المتحدثون عن هذا الموضوع في وقت سابق جمعويين ينظر إليهم على أنهم سُذَّج”.

ومع “تراجع الغرب” الذي يظهر في واقع أمريكا، حسب الدبلوماسي البرتغالي السابق، والذي من مظاهره الانسحاب الأمريكي في عهد بايدن من أفغانستان، اعتبر المتحدث أن مركز السلطة العالمية في تحول، سواء مع روسيا، أو مع “الطموحات المشروعة للصين”.

من جهته، قال ميغيل أنخيل موراتينوس، دبلوماسي إسباني ممثل أممي، إن “العالم تغير، لكن لم نع ذلك، رغم الحديث عن عالم في تحول، لكن عندما نعود إلى مكاتبنا نعمل وكأن العالم لم يتغير”.

وأضاف أن “الجائحة أظهرت عيوب النظام العام، والنظام السياسي الداخلي، والمالي، والأخلاقي… نحن في عالم آخر، علينا التصرف بطريقة مختلفة”.

وعن اعتبار الجمهور أن الديمقراطية هي الانتخابات، تذكر الدبلوماسي “أوروبا الغربية في الستينات والسبعينات حيث لم يكن الناس يهتمون بالسياسة بعد التصويت، ويبعدون عنهم المسؤولية، ويعودون بعد أربع سنوات للتصويت دون إرادة للمشاركة التي هي اليوم أساسية مع مواطنينا ومجتمعاتنا”، حيث زادت إرادة المعرفة وحضر رأي في القرار السياسي واعتراض على طبيعته.

وتابع قائلا: “الربيع العربي دفعني إلى التفكير، مع سقوط أنظمة سلطوية، قال الأوروبيون إنهم مثلنا ديمقراطيون، وكان الكل سعداء بانتخابات تجري في كل مكان، ثم بعد ستة أشهر، ومع عدم توفر شروط الديمقراطية، قيل من انتخبوا لا يمثلوننا، والأمور تعود إلى الوراء…”.

هنا، ذكر الدبلوماسي الإسباني أن “الانتخابات آلية لتجريب المجتمع والتمثيل، ولكنها ليست الديمقراطية، بل هذه الأخيرة تشمل الحكامة الجيدة، والاستقلالية، وعوامل متعددة تمكن المجتمع من أن يكون له الاختيار الحقيقي”.

أما نبيل بنعبد الله، الوزير والدبلوماسي السابق الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، فعبر عن رأيه بأن “الإشكال الكبير المطروح هو: كيف يمكن أن نصالح بين هذه المنظومة بمختلف تعبيراتنا، أي ما يسمى بالديمقراطية التمثيلية، مع تطويرها واحترام الحريات وأشكال التعبير المختلفة، وبين الديمقراطية التشاركية أو المباشرة، أي ربما مليارات الناس الذين يساهمون عبر وسائل التواصل الاجتماعية أساسا، أو الشارع، دون أن يساهموا في المسارات الانتخابية وفي اختيار ممثلين لهم وعنهم في مختلف المؤسسات؟”.

وإضافة إلى حاجة الإنسانية، بعد “كورونا”، إلى عدم عودة العالم إلى مسالكه السابقة فيما يتعلق بالتبادل الحر والكرامة والعدالة الاجتماعية والتعامل مع التغيرات المناخية، قال بنعبد الله إن النقاش حول مستقبل الديمقراطية يجب أن يهتم أيضا بعلاقة “المال والسلطة” وأثرها الواضح الذي “يأتي بكثير من عدم الاستقرار”، والذي يشهد “رفضا في الواقع”.

ولم يقتصر القيادي اليساري في حديثه عن الديمقراطية على الصناديق والانتخابات، بل دعا إلى أخذها في “بعدها الأشمل”؛ من حقوق الإنسان، والسعي إلى المساواة في العالم، خاصة بين الرجل والمرأة، والكرامة والعدالة الاجتماعية، مع تقسيم أفضل للثروات عالميا ومحليا، وتدبير شفاف، وربط المسؤولية بالمحاسبة في مختلف المستويات حتى يثق الناس في مؤسساتهم، “وهكذا فقط يمكن العيش بطريقة كريمة”.

بدوره، تحدث خميس الجهيناوي، دبلوماسي تونسي وزير الخارجية سابقا، عن “المشروع الديمقراطي الذي ارتبط بحميمية مع اقتصاد السوق”، لكن “نرى أن هناك استياء من الممارسة الديمقراطية، يزيد أكثر فأكثر، من التيار المعادي للآخر والعنصري، والتيارات الاشتراكية التي انتقلت إلى الوسط أكثر لتأتي بأكثر عدد من الناخبين، في مقاربة انتخابية لربح الانتخابات”.

ومع هذه المقاربة الانتخابوية، سجل المتحدث أن الأحزاب لم تعد “آلية للجواب على انتظارات الساكنة، بل آليات لربح الانتخابات”، مستحضرا نموذجي الحزب الاشتراكي في فرنسا، وحزب العمال في بريطانيا نهاية التسعينات.

ويرى المتدخل أن الشباب المتفاعلين على وسائل التواصل الاجتماعي يحسون بأنهم “مقصيون من السلطة، وتأثيرهم على القرارات الكبرى للدولة غير موجود، وأنهم موجودون خارج النظام”.

وتابع قائلا: “الشباب في الاحتجاجات التونسية طالبوا بالحرية والكرامة”، لكن “نجد أن السيرورة الديمقراطية ليست متلائمة مع الشباب، بل مع النخبة السياسية والأكاديمية التي تتحدث كلاما عاما دون تأثير، والشباب ينتظرون أن ينصت إليهم من أجل مستقبل البلد”، لا أن تبقى حالة “القطيعة بين عموم الشباب والنخبة”.

وواصل بأن “النخبة الفاسدة ليست في صالح البلدان، ويجب القيام بكل شيء لتغييرها”، وتساءل حول كيفية “خلق الأدوات ليعبر الشباب، وتكون السيرورة الديمقراطية أكثر إدماجا ولا تقتصر على النخبة السياسية والاقتصادية للبلد”، مع التعبير عن الانتظارات الحقوقية.

وتشبث المتدخل بالديمقراطية باعتبارها “النظام الوحيد الضامن لتمثيل إرادة الشعوب في المؤسسات”، قبل أن يثير الحاجة إلى “إعادة تأسيسها، وتخيل ممارسة السلطة بطريقة أخرى”، لا أن تفرض من الخارج فتعطي نتائج مثل سوريا والعراق، بل أن تكون من الشعوب وتجيب على خصوصيتهم الثقافية والسرعة التي يريدون التطور بها، “أما فرض نظام وقيم من الخارج لا يمكن أن يؤدي إلى الدمقرطة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *