الزهراوي: الدبلوماسية المغربية تنتقل من “أسلوب الدفاع” إلى “عقيدة الردع”

قال محمد الزهراوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شعيب الدكالي، إنه “بالتزامن مع التحولات الجيوسياسية، وبالنظر إلى التحالفات التي ظهرت بوادر تشكلها على المستويين الدولي والإقليمي، باتت هذه التحالفات مثل ‘التكتلات الإيديولوجية’؛ لكنها بنزعة براغماتية ترتكز على الاقتصاد وموارد الطاقة والموانئ الكبرى لتأمين نقل السلع والبضائع…”.

وأبرز الزهراوي، في مقال توصلت به هسبريس، أن “تحالفات في إطار التشكل قد لا تختلف كثيرا عن التكتلات التي ظهرت ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإن كانت خلفيات هذه الأخيرة توسيعية وغلفت بخلفية إيديولوجية/ قيمية جعلت من القوة و’استعراض القوة’ أبرز أدواتها التي مكنت بعض المحاور من تعزيز نفوذها وهيمنتها”.

وأشار المحلل إلى أنه “في إطار محاولة رسم معالم نظام عالمي جديد لربما يعيش مخاض التشكل والولادة، تتمظهر التكتلات الراهنة بشكل أكبر على الجانبين العسكري والطاقي، إذ يجري بشكل لافت رسم مجالات وحدود التموقعات على المستوى الدولي بين محور أمريكا/ بريطانيا من جهة، والصين وروسيا على الجانب الآخر”.

وأضاف الزهراوي أنه “من إفرازات وامتدادات هذا التنافس المحموم بين الأقطاب والقوى الكبرى ظهور تحالفات إقليمية أخذت أبعادا عسكرية ودفاعية تتماهى في بعض الأحيان وتحاكي الصراع الدولي بين القطبين؛ لكن بنوع من الاستقلالية والعقلانية والبراغماتية، وبخلفيات ومصالح محلية/ دولتية قد تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى في الجوانب الطاقية والعسكرية والموارد المالية (شراء الأسلحة)”.

وورد في مقال الأستاذ الجامعي أن التعاون العسكري المغربي/ الإسرائيلي يشكل امتدادا للتحالف الأمريكي/ البريطاني، إذ تحاول من خلاله المملكة المغربية أن تحقق التوازن أو “الردع” في مواجهة التحالف الجزائري/ الإيراني الذي يشكل بدوره امتدادا للتحالف الصيني/ الروسي إن بدرجة أقل بحسب المؤشرات.

لكن مؤشرات عديدة، يكمل الكاتب، تؤكد أن هناك تحولا نوعيا في عقيدة المغرب، خاصة على المستوى الدبلوماسي؛ فمن الواضح أن المملكة ماضية في الانتقال على مستوى سياساتها وتوجهاتها الإستراتيجية من “عقيدة الدفاع” إلى “عقيدة الردع”، وإن كان بنوع من التردد والتريث.

ويسترسل: “يظهر هذا التحول بشكل جلي من خلال مذكرات التفاهم والتعاون العسكري التي وقعت يومي 24 و25 في نونبر 2021 بين المغرب وإسرائيل، حيث يحاول المغرب أن يستثمر هذا التحالف – رغم ما يثيره من تساؤلات وتحفظات لدى الفئات المحافظة- لتحقيق ثلاثة رهانات أساسية:

أولها تحصين المكتسبات الميدانية، خاصة فيما يتعلق بتأمين معبر الكركرات في 13 نونبر 2020، إذ كان هاجس المملكة هو تفادي تكرار سيناريو 2017 عندما ضغطت أمريكا على المغرب في كواليس مجلس الأمن لسحب قواته من معبر الكركرات. وهذا الرهان تحقق، إذ تمكن المغرب من شرعنة ترسيم حدوده مع موريتانيا، لا سيما أن القرار الأخير لمجلس الأمن 2606 ورغم الضغوطات الجزائرية/ الروسية لم يتضمن أية إشارة تعيد المملكة إلى نقطة الصفر.

ثاني الرهانات تحصين المكتسبات السياسية، إذ صارت تقارير الأمين العام للأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الأخيرة تتجاهل مسألة الاستفتاء في الصحراء، مقابل تركيز القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية على دعم مبادرة الحكم الذاتي؛ وهو مؤشر ربما يبرر أو يمكن من خلاله تفسير عدم إعلان إدارة بايدن دعمها لمغربية الصحراء مع الإبقاء على الاعتراف، وهي معادلة ربما تحاول من خلالها أمريكا أن تحافظ على مكانتها وعلاقتها بكافة الأطراف وتحقق بشكل غير مباشر آثار الاعتراف (دعم الحكم الذاتي بشكل صريح، عدم إصدار قرارات تعاكس مصالح المغرب من طرف مجلس الأمن خاصة أن القلم الأمريكي هو الذي يكتب مشروع القرار، التعاون العسكري…).

بمعنى أنها تتفادى الإعلان بشكل صريح عن مغربية الصحراء كي لا تغضب الأطراف الأخرى (إسبانيا، روسيا، الجزائر..)، وتتفادى كذلك مراجعة القرار الترامبي الذي يقر بسيادة المغرب على صحرائه، كي لا تغضب المغرب وأن لا تؤثر سلبا على الاتفاق الثلاثي الأمريكي/ المغربي/ الإسرائيلي.

ثالث الرهانات يكمن في الرهان العسكري/ الدفاعي، حيث في ظل التحولات الميدانية وانحسار أطروحة الانفصال وفي ظل الأزمة الداخلية التي تعيشها الجزائر لم يمكن أمام قيادة الجيش الجزائري، الذي يتبنى عقيدة عدائية تجاه المملكة، إلا أن يهدد بالحرب والمواجهة المباشرة.

أمام هذا الوضع الذي لا يزال مفتوحا على كافة السيناريوهات، يستطرد الزهراوي، حاول المغرب أن ينهج سياسة دفاعية ترتكز على شراء الأسلحة وتنويع مصادرها لتحصين المكتسبات الميدانية، مع الضبط الأمني والعسكري للمجال الترابي الذي يمتد عبر الجدار الدفاعي وما بعده وبالتحديد على شرق وغرب الجدار.

ويسجل الجامعي ذاته أنه مع مرور الوقت وتسارع الأحداث وتنوع المخاطر التي باتت تهدد الأمن القومي، فالسياسة “الدفاعية” للمغرب الذي كانت ترتكز على اعتماد تكتيكات دفاعية ترسمها وحدات الهندسة العسكرية في الجيش الملكي، بحيث لم تكن هذه الخطط تتجاوز المعطى الظرفي/ الدفاعي سرعان ما ستستدعي الضرورة وتستوجب تغيير هذه السياسة واعتماد ما يعرف في أدبيات الصراع الدولي بـ”سياسة الردع”.

ويوضح: “بدأ هذا المصطلح في الظهور على أيدي الإستراتيجيين العسكريين؛ فالجنرال الفرنسي أندريه بوفر، وهو نائب القوات البريطانية الفرنسية المشتركة أثناء حرب السويس عام 1956، عرّف الردع بأنه “منع دولة معادية من اتخاذ قرار باستخدام أسلحتها أو بصورة أعم: منعها من العمل أو الرد إزاء موقف معين باتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات التي تشكل تهديدا كافيا حيالها”.

ويشدد كاتب المقال على أن اعتناق “عقيدة الردع” صارت ضرورة، ويمكن من خلالها فهم التحولات الراهنة والتحالفات الدولية والإقليمية، خاصة التحالف المغربي/ الإسرائيلي وتداعياته على التوازنات الإقليمية، ومستقبل المنطقة المغاربية، إذ ترتكز “سياسة الردع” بالأساس على امتلاك التكنولوجية المتطورة والأسلحة المدمرة بمختلف أصنافها والتي ترتبط أساسا بالتكنولوجية النووية المدنية والعسكرية.

ولفهم مرتكزات وانعكاسات هذا التوجه المغربي الذي يقوم على “عقيدة الردع” كنتيجة لهذا التحالف المغربي/ الإسرائيلي، لابد من استحضار نتائج وتداعيات هذا التحالف كذلك على المستوى الداخلي، إذ لا يمكن أن تنزل المؤسسة الملكية بكل ثقلها ومكانتها، ورغم المحاذير المرتبطة بهذا التحالف، لا سيما على مستوى مكانة ورمزية مؤسسة إمارة المؤمنين وقضية القدس ومكانة فلسطين في وجدان المغاربة، دون أن تكون لهذا التحالف أبعاد إستراتيجية لربما تخدم مصالح الأمة المغربية إقليميا ودوليا، مع وجود إمكانية لخدمة القضية الفلسطينية وفق ما هو متاح في إطار هذا التحالف، رغم ما يثار من محاولات من جنرالات الجزائر لتوظيف هذا التحالف لشيطنة المؤسسة الملكية ومحاولة عزل المغرب عن محيطه المغاربي والعربي.

ويخلص صاحب المقال إلى أن التحولات الإستراتيجية تفرز عادة بعض الإشكالات المرتبطة بالقدرة على الانتقال من “تدبير اللحظة” إلى الاستباق ومحاولة تدبير المستقبل بتعقيداته ومطباته؛ وهو ما يبرر ضرورة انتقال المغرب من “عقيدة الدفاع” إلى “عقيدة الردع”، إذ لا يمكن الدخول في مواجهة مباشرة مع “نظام عسكري” يوشك على السقوط من تلقاء ذاته، والتعامل مع الحرب الكلاسيكية كمسلمة يريد هذا النظام فرضها على شعوب المنطقة رغم ما تنذر به من مآس وخراب قد يعود بالمنطقة إلى ثلاثينيات القرن الماضي. في حين أن امتلاك أدوات القوة والردع من شأنهما أن تجعل وقوع هذا السيناريو ضئيلا، لا سيما أن النماذج كثيرة تؤكد ذلك (باكستان/ الهند، الكورتين.. وغيرهما).

من جانب آخر، يرى الزهراوي أن هذا الخيار قد يمنح المغرب بعض المكاسب الإستراتيجية لتحصين وحدته الترابية وموقعه الإقليمي والدولي؛ لكن هذا لا يعني وجود بعض المحاذير التي قد تجعل من الطرف الآخر في هذا التحالف، يرى في “وجود أزمة أو تهديد للوحدة الترابية” كضرورة لاستمرار التحالف أو للحفاظ على مصالحه، مثلما هو الحال بالنسبة إلى فرنسا وإسبانيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *