الصحافي رضوان الرمضاني يكتب: طاحت فلسطين… علّقوا المغرب!!!!

ارتفعت، في الأيام الأخيرة، حدة الهجوم على المغرب، بسبب المسار الذي اتخذته علاقاته مع إسرائيل.

كان مفهوما أن يُخلف اختيار المغرب منهج الوضوح والواقعية، في علاقاته مع إسرائيل، وتفاعله مع القضية الفلسطينية، بعيدا عن رومانسية وعواطف الأبيض والأسود، ردود فعل رافضة، أو متحفظة، أو محذرة.

المفاجأة لم تتجلّ في أن يظهر “معارضون” لهذا الاختيار؛ بل (المفاجأة) تجلّت في تنامي التوجه الذي يؤيد الدبلوماسية الرسمية في هذا الباب، وهو توجه أسقط طابوها نفسيا، استمر طويلا، هو العلاقة مع إسرائيل، كان يحتاج رجّة تعيد ترتيب الأوراق، وتكسر نظارات ظلت تحجب رؤية الأمور كما ينبغي.

كان لا بد من تصحيح النظر.

وقد كان.

وأكاد أجزم أن الوضع الجديد كسر، أيضا، المنطق الخُرافي، المبالَغ فيه، في النظر إلى القضية الفلسطينية.

فِلسطين لا تُحررها الهاشتاگات.

والقدس لا تسترجعها الكوفيات.

والكفاح المسلح لا يتحقق بالذبذبات الصوتية لأحمد ويحمان.

إنما الاختلاف في التقدير أمر عادي جدا؛ بل مطلوب.

القرار الرسمي، دوما، محتاج إلى من، وما، يُشاكِسه.

إنما المشاكسة حين تأتي من المخبولين، والمخذولين، والمخدوعين، تصير حماقة.

ورغم ذلك، هذا كله مقبول.

إنما ما ليس مقبولا، بل فيه حيف كبير تجاه المغرب، وتجاه أصحاب القرار الرسمي فيه، هو تحميلهم وِزر القضية الفلسطينية كلها.

الأخطر، والأكثر خِسّة، هو وصفه (ووصفهم) بالخيانة.

يُتهم المغرب بالخيانة كما لو أنه الذي أفتى باحتلال فلسطين.

كما لو أنه الذي أفتى بتقسيمها.

كما لو أنه الذي أفتى بطرد الفلسطينيين.

كما لو أنه الذي أفتى بقتل الفلسطينيين.

كما لو أنه الذي أفتى للإسرائيليين بالتعنت.

الواقع أبعد من ذلك، وهذا يعرفه القاصي والداني.

أما الدنيء فلا يستوعب.

ما صنع، ويصنع، المغرب إلا خيرا، بفلسطين وبالفلسطينيين.

وهذا من منطلق الواجب والأمانة والنُصرة الصادقة.

وليس بمنطق المنِّ والابتزاز والمقايضة كما فعل، ويفعل، آخرون.

هل أخطأ المغرب حين جنَح إلى الوضوح المُنتِج بدل دغدغة العواطف في العلن و”الضرب” في السر؟

أبدًا..

هذه جرأة وصدق وواقعية.

إنما، لأن المغرب هو المغرب، يحكم الآخرون عليه بمنطق غريب جدا في التفكير والنظر إلى واقع الأشياء.

يطلبون منه أن يكون ما عجزوا هم عن أن يكونوه.

حلال عليهم. حرام علينا.

قد يكون هذا المنطق المتكلِّس مفهوما إن جاء من أصحاب النضال في فنادق الخمس نجوم، أو من أصحاب الحسابات، البنكية أو الافتراضية، وحتى الحسابات السياسية الغبيّة.

أما أن يأتي من بعض أهل فلسطين، فتلك هي الخيانة الحقيقية.

وذاك هو رد الخير بالسوء.

وذاك هو القفز على الحقيقة، بل ضربها وتزويرها.

لمصر الحق في علاقات عادية مع إسرائيل.

ولتركيا الحق في علاقات (أكثر من) عادية مع إسرائيل.

وللإمارات الحق في علاقات (سوپر) عادية مع إسرائيل.

وللبحرين كذلك.

ولدول أخرى الحق أيضا.

وللفلسطينيين أنفسهم الحق في التعامل مع إسرائيل…

إلا المغرب!!!!

يا سلام..

كان الأجدر بالمكونات الفلسطينية أن تنأى بنفسها عن هذه المواقف الشعبوية.

وكان الأجدر أن تبتعد عن منطق التخوين.

وكان الأجدر أيضا ألا تبصق في اليد التي تُمد إليها.

إن لم تقبِّلها، فعلى الأقل لا تبصق فيها.

وذلك أضعف… الأخلاق!

منطق التخوين هو الذي أسر القضية الفلسطينية ورهنها عقودا.

فتح تُخوِّن حماس.

حماس تُخوِّن فتح.

أهل الشتات يخوّنون عرب إسرائيل.

عرب إسرائيل يخوِّنون فلسطينيي الشتات.

وتستمر الحكاية…

والمغرب؟

المغرب يقف على مسافة واحدة من الجميع.

يقول خيرا أو يصمت.

ونادرا ما يصمت.

لا يستثمر في “النعرات” الفلسطينية.

يساعد إن استطاع.

يتدخل إن استطاع.

يتوسط إن استطاع.

ولا يتاجر.

ولا يبتز.

ولا يُقايِض

ومع ذلك، يتهمه ناكرو الجميل بالخيانة.

هل الخيانة هي أن تضع قضيتك الوطنية الأولى (الصحراء) في نفس مكانة القضية الفلسطينية؟

هل الخيانة هي أن تستحضر القضية الفلسطينية في سياق إعلان علاقاتك مع دولة أخرى، هي إسرائيل؟

هل الخيانة هي أن تقدم العون، ماديا ودبلوماسيا، إلى فلسطين والفلسطينيين؟

إذا كان ما سبق هو الخيانة فالمغرب… خائن بامتياز، بل له أن يفتخر بهذه الخيانة!!!

وإذا كانت “الممانعة” هي اللعب على التناقضات الفلسطينية، والاستثمار فيها، والمتاجرة بالفلسطينيين وبقضيتهم، واللعب مع القوى الكبرى سرًّا على حساب فلسطين والقدس، ودغدغة المشاعر بالشعارات الجوفاء الحمقاء، مقابل إبرام الصفقات مع “الكيان”، فالمغرب لا يُشرِّفه أن يكون مُمانعا.

هذه ممانعة من درجة استحمار.

ويبدو أنه يوجد بيننا، وبينهم، من يعشق الاستحمار… فاعلا أو مفعولًا به!

هناك من يخشى أن يفضح الأسلوبُ المغربي احتكارَه لصفقات ببضاعة عنوانها فِلسطين.

المغرب واضح في هذا الباب.

يقولها بالصريح وبالتلميح.

يشتغل بمسؤولية ورصانة.

بعيدا عن المزايدات والتوظيف السياسي المقيت الذي يُبدِع فيه البعض.

يتفاعل بشكل قوي وإيجابي وواقعي مع القضية.

ما المطلوب منه إذن؟

اتفاقياته مع إسرائيل لا تمس، بأي حال، التزاماته تجاه القضية.

الملك نفسه يعبئ علاقاته ووضعيته في دعم الفلسطينيين وقضيتهم.

ماذا يريدون من المغرب إذن؟

وكالة بيت مال القدس صرفت حوالي 60 مليون دولار في مشاريع لصالح المقدسيين.

ماذا يطلبون أكثر من هذا؟

أن يستمر المغرب في مقاطعة إسرائيل وحسب؟

والنتيجة؟

ستتحرر فلسطين؟

ستتحرر القدس؟

سيعود فلسطينيو الشتات؟

ستتصالح فتح وحماس؟

سيعود ياسر عرفات إلى الحياة؟

ستعتذر إسرائيل وتختفي من الوجود؟

سيفرح أردوغان ويهدد بالرد الناري؛ لكنه، في المقابل، سيستقبل السفير الإسرائيلي ويؤكد تدعيم العلاقات؟

أليس من حق المغرب أن يفكر في مصالحه قليلا؟

ماذا تطلبون من المغرب، إذن؟

أن يُعلِن الحرب على إسرائيل؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *