النظام الجزائري يختار خطوات على مسار العبث في العلاقات مع المغرب

قال زهير الوسيني، الإعلامي المغربي المقيم بإيطاليا، إنه “لا يوجد موضوع يمكن طرحه مع المسؤولين الجزائريين بدون أن تكون الإجابة عبارة عن تشبث بقضايا هامشية لم تعد تهم أحدا”، مضيفا أن “الندوات الصحافية التي يجريها الرئيس تبون نفسه تدخل في هذا السياق؛ فمع كل الاحترام الواجب لدوره الدستوري، فإن خرجاته تبدو أشبه لما يقوم به أي يوتيوبر يلقي الكلام على عواهنه من أن يكون لرجل دولة يعطي لكل كلمة وزنها”.

وأوضح الوسيني، في مقال له، أن “مقالات الصحف الدولية وبعض التحليلات في القنوات الجادة كلها شرحت بالملموس أن كل الاحتقان الذي تشهده المنطقة هو وليد وضع الجزائر الداخلي بالدرجة الأولى، ثم هناك حسابات جيوبوليتكية معقدة جدا، ربما لم تستوعب حكومة تبون خلفياتها إلى حد الآن، أو ربما فهمتها واختارت صدها”.

وبعدما أشار الإعلامي المغربي إلى جوانب من “الحرب العالمية الثانية”، و”الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي”، و”الصراع بين القوى العظمى”…، قال إن “ما يهمنا هنا هو أن المغرب يحاول، داخل هذا اليم الهائج، أن يدلو بدلوه دون أن تخرجه أمواج التحالفات الفعالة من اللعبة.. ومن أجل هذه الغاية، يلعب ببعض الأوراق القليلة المهمة التي يتوفر عليها، مثل موقعه الإستراتيجي باعتباره بوابة لإفريقيا وجسرا نحو أوروبا”.

وهذا نص المقال:

فقد الفيلسوف وعالم الرياضيات برتراند راسل أي اهتمام بالمسار الدبلوماسي عندما اضطر، بصفته ملحقا بالسفارة البريطانية في باريس، إلى نسخ رسائل طويلة حاول فيها إقناع الحكومة الفرنسية بأن سرطان البحر ليس سمكة. الرسائل التي ردت عليها الحكومة الفرنسية دائما بأن سرطان البحر، وفقا لمعاهدة أوتريخت لعام 1713، هو سمكة.

يبدو أن هذا هو المسار العبثي الذي اختارته الحكومة الجزائرية في علاقتها مع المغرب. فحينما يقال لها بأن الصراع بين البلدين هو وليد ظروف تاريخية لم تعد موجودة اليوم تكون الإجابة قطع العلاقات مع الرباط لأن المغرب هاجم جارته الشرقية سنة 1963. حينما يقال بأن موضوع الصحراء حسم وأن طاولة المفاوضات يجب أن تكون عمليا بين المغرب والجزائر تكون الإجابة تسليح تنظيم “البوليساريو”، ليقوم بحرب دون كيشوتية معروفة النتائج سلفا وهلم جرا. لا يوجد موضوع يمكن طرحه مع المسؤولين الجزائريين بدون أن تكون الإجابة عبارة عن تشبث بقضايا هامشية لم تعد تهم أحدا.

الندوات الصحافية التي يجريها الرئيس تبون نفسه تدخل في هذا السياق. فمع كل الاحترام الواجب لدوره الدستوري، فإن خرجاته تبدو أشبه لما يقوم به أي يوتيوبر يلقي الكلام على عواهنه من أن يكون لرجل دولة يعطي لكل كلمة وزنها. هاته الخرجات هي التي جعلت أغلب المراقبين المحايدين يفهمون أن المقصود من كل هذا الضجيج الذي شهدناه خلال الأسابيع الأخيرة وكل التهديدات لم يكن المملكة المغربية وإنما إجهاض الحراك؛ وهو ما نجحت فيه الحكومة الجزائرية. فهنيئا لها.

مقالات الصحف الدولية وبعض التحليلات في القنوات الجادة كلها شرحت بالملموس أن كل الاحتقان الذي تشهده المنطقة هو وليد وضع الجزائر الداخلي بالدرجة الأولى ثم هناك حسابات جيوبوليتكية معقدة جدا ربما لم تستوعب حكومة تبون خلفياتها إلى حد الآن أو ربما فهمتها واختارت صدها على اعتبار أن كل المعطيات تلعب لصالح دولة أخرى من دول شمال إفريقيا. الأمر الذي لا يمكن لـ”قوة ضاربة” أن تقبل به.

حينما نفهم أن حسابات الحكومة الجزائرية ضيقة جدا وأن هامش مناورتها محدود للغاية يسهل علينا آنذاك الانطلاق نحو قراءة أكثر عمقا علها تساعدنا على فهم ماذا يحصل فعلا في منطقتنا.

في لقاء كنت قد أجريته للقناة التي أشتغل بها مع شلومو بن عمي قبل جائحة كورونا بأسابيع معدودة، ألح وزير خارجية إسرائيل الأسبق على أن كل الصراعات اليوم يجب قراءتها على ضوء الصراع الأهم والحقيقي؛ ذلك الذي يجري بين القوة المهيمنة (الولايات المتحدة) والقوة الصاعدة (الصين).

تاريخيا، وإلى حدود الحرب العالمية الثانية، كل الصراعات التي كانت تسير في هذا المنحى كان مآلها حرب مباشرة بين الطرفين.

الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أبانت فيما بعد أن الصراع يمكن التحكم فيه عبر نزاعات إيديولوجية ساحتها مناطق النفوذ دون الدخول في حرب مباشرة. كل هذه المراحل التاريخية تفيد لفهم الآليات المعتمدة اليوم في هذا الصراع المحتدم والقائم بين واشنطن وبكين؛ ولكنها غير كافية لاستيعاب كل التموقعات الممكنة، خاصة أن هيمنة الصين هي اقتصادية أكثر منها عسكرية.

لذا، فإن الخروج السريع للجيش الأمريكي من أفغانستان يجب قراءته في هذا الإطار كجزء من تغيير الأولويات بالنسبة إلى واشنطن. ففي مقال مشترك بمجلة “فورين بوليسي” لروبرت أوبراين، مستشار الأمن القومي الأمريكي، وجون راتكليف، مدير المخابرات الوطنية خلال إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، اقترحا خطوات يجب اتخاذها لتأكيد ريادة أمريكا للعالم مجددا. كل هذه الخطوات تصب في تكريس حضور أكبر بالمحيط الهادئ أي بتواجد بالقرب من الصين.

أهم الخطوات التي طالب بها الكاتبان في مجلة مؤثرة جدا، خاصة في صاحب القرار الأمريكي، هي تسليح تايوان، التي تطالب بها الصين كجزء من أراضيها ونقل القوات إلى منطقة المحيطين الهندي والهادي للتركيز على التنافس مع القوى العظمى (الصين أساسا وروسيا).

هذا الصراع بين القوى العظمى حقا، وليس تلك “الضاربة” في أعماق العبث، هو الذي أرغم العديد من الدول على تغيير حساباتها. أوروبا تبدو اليوم ككتلة فاقدة للبوصلة لا تستطيع إقناع حتى حليفتها الأساسية الولايات المتحدة بأهمية دورها في العالم الجديد. اتفاقية الغواصات التي همشت فرنسا هي دليل آخر على الدور التي ستتولى به الدول الأوروبية من الآن فصاعدا.

هذا جزء بسيط من عملية شطرنج معقدة جدا لا يتسع المجال هنا لتفصيلها بشكل أكبر؛ ولكن ما يهمنا هنا هو أن المغرب يحاول، داخل هذا اليم الهائج، أن يدلو بدلوه دون أن تخرجه أمواج التحالفات الفعالة من اللعبة. من أجل هذه الغاية، لعب ببعض الأوراق القليلة المهمة التي يتوفر عليها مثل موقعه الإستراتيجي باعتباره بوابة لإفريقيا وجسر نحو أوروبا. واشنطن تحتاج إلى حلفاء أقوياء في مرحلتها الجديدة. إسرائيل لوحدها غير كافية للسيطرة على منطقة ملتهبة مثل الشرق الأوسط. من هنا الحاجة إلى ربط تحالفات قد تبدو للبعض غير طبيعية؛ ولكن قواعد اللعبة تفرض ذلك. الاختيار الآخر هو البقاء على الهامش.

فقط بهذا الشكل يمكننا أن نفهم تحليلات المخابرات الإسبانية، وهي المهتمة حقا بما يحصل في المغرب، وذلك عبر تسريباتها للصحافة المحلية، خاصة صحيفة كونفيدينسيال، لأخبار هي عبارة عن رسائل مشفرة تجب قراءتها بتمعن. كما نفهم، اليوم، بشكل أفضل استنتاج خوان لويس سيبريان JUAN LUIS CEBRIÁN، في مقالة نشرت يوم 14 دجنبر 2020 على صفحات الباييس، حينما أكد أن “المغرب هي دولة محورية في عملية بناء النظام العالمي الجديد”.

في هذا النظام الجديد الذي ما زالت ملامحه ضبابية، قرر المغرب المجازفة بدخوله واعيا بعواقب هذا الاختيار سواء إقليميا عبر ردود الفعل الأوروبية (ألمانيا وإسبانيا خاصة) أو محليا والذي يجسده رفض جزء من الرأي العام المغربي للتحالف الإستراتيجي مع إسرائيل. النظام الجزائري في هذه العملية يبدو مجرد ظاهرة صوتية هدفها إخماد الحراك الشعبي فقط. وهذا ما يفسر الصمت الرسمي المغربي على الاستفزازات المتكررة لوعيه بتعقيدات المرحلة التي تحتاج إلى تركيز ودقة كي لا تضيع الأهداف التي تحققت حتى الآن.

في هذه العملية المعقدة جدا والتي يدخلها المغرب معتمدا على استقراره السياسي أساسا، قد يكون من المناسب الإشارة إلى بعض النقاط المفيدة في عملية التأقلم مع العالم الجديد التي من المؤكد أن صاحب القرار يعيها جيدا:

ـ النادي الجديد (الولايات المتحدة، بريطانيا، أستراليا وإسرائيل… إلخ) والذي قرر المغرب الانتماء إليه تجمعه شروط معينة. فبالإضافة إلى الوضع الاقتصادي المتقدم هناك شروط حقوقية لا يمكن إغفالها. كل هذه الدول لا تتوفر على صحافيين، أصحاب رأي مخالف أو مدافعين على حقوق الإنسان في السجون. هذه النقطة يجب الفصل فيها نهائيا وبسرعة عبر استقلالية حقيقية للقضاء وتفعيله لكي يكون رقيبا على احترام الدستور. في هذا السياق، من المؤكد أن وزير الخارجية بحصافته فهم مقاصد بلينكن خلال لقائهما الأخير.

ـ فتح باب الحوار على مصراعيه أمام جميع أطياف المجتمع المغربي في محاولة للمرور إلى مرحلة جديدة في العملية الديمقراطية والاعتماد على الإقناع وليس القمع. التحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب يجب أن تعطي ثمارها على مستوى التطور الاجتماعي وخلق جو أكثر انفتاحا وإلا فإن ما تم إنجازه خلال العشرين سنة الأخيرة سيذهب سدى ولن يكون له اي أثر فعلي في خلق استقرار حقيقي يعتمد على توازنات صلبة وليس على عصي رجال الأمن.

ـ ترسيخ العلاقات مع بريطانيا بشكل أكبر والتعامل معها كجارة متميزة شمال المغرب. جبل طارق مفتاح حقيقي في هذه العملية وفي علاقاتنا مع أوروبا.

ـ لعب ورقة الموانئ في علاقتنا بالصين من أجل خلق حد أدنى من التوازن.

ـ البحث وبسرعة عن أسواق للبضائع المغربية. ففي حالة قرار مخالف لمصالح المغرب ووحدته الترابية من طرف المحكمة الأوروبية فعلى الرباط تفعيل ما ألمحت إليه من عدم التعاون مع من لا يعترف بالصحراء كجزء من التراب الوطني. هناك ما يكفي من الوقت لدراسة البدائل وإمكانية تنفيذ ذلك. إذا كان التنفيذ صعبا وجب التفكير من الآن في صيغة قانونية لتجاوز مثل هذه القرارات.

ـ الاهتمام بالتعليم وإدراج الإنجليزية كلغة أساسية في المناهج الدراسية وبسرعة. العالم لن ينتظر انخراطنا فيه.

كل ما قام به المغرب الرسمي، إلى حدود اليوم، من أجل التموقع في هذا العالم الجديد، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، لن يجدي نفعا إذا لم تكن هناك تغييرات حقيقية تسمح لنا بالانتماء إلى النادي الجديد والدخول من بابه الواسع لكي نكون فاعلين فيه وليس مجرد بيدق صغير في عملية أكبر منا كثيرا. لقد ذهبنا بعيدا وأحرقنا سفن العودة. إنه التحدي الصعب الذي على المغرب مواجهته. الله يكون في العون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *