حِميش يكتب: حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وواجب الإنقاذ

إن الحداثة التي يعتمدها الاتحاد الاشتراكي ويتشدق بها البعض آناء الليل وأطراف النهار، محولين إياها إلى ما يشاكل ديانة يعارضون بها “البيجيدي”، وبنحو ما المرجعية الإسلامية، ما هي في العمق إلا الأدوات والآليات والسلوكيات ومفاتيح رؤيوية لإجراء التغيير النافع وتيسير الارتقاء البناء.

ولعل من أهم القطاعات التي يجب على الحزب أن يبدع فيها حداثيا حقا قطاعا الشباب والنساء، كالإقدام مثلا على ترشيح وانتخاب امرأة للكتابة الأولى، وهي من باب الجدة والتميز السيدة حسناء أبو زيد، المؤهلة معرفيا وخُلقيا لتقلد تلك المسؤولية على أحسن وجه؛ هذا علاوة على فتح أبواب الحوار والاستقطاب مشرعة للشبان من الجنسين، وترغيبهم في الانخراط الحزبي وممارسة العمل السياسي المكوِّن والمثمر الجاد.

عود على بدء

إن محللي حدث الفرقة داخل حزب الوردة، الحاصل بعيد مؤتمره التاسع، لم يكن صعبا عليهم توقع النتائج الصادمة التي خرج بها من انتخابات 4 شتنبر 2015..إنها في تاريخ الحزب كانت صنو انشقاق ذات حدة وقساوة بالغتين (انسحاب إخوة من أجود الأطر والفعاليات لتأسيس تنظيم آخر، وفاة أخينا أحمد الزايدي المفجعة، انفراط القطاعين النقابي والشبابي وحتى الفريق البرلماني). كل ذلك وما أعقبه أصاب الحزب بالخلخلة وأضعف قوته التاريخية واعتباره السياسي.

ورغم ما حدث، لو أن القيادة الحالية، وسط تلكم الهزات، تمكنت من الحصول لمرشحيها في الاستحقاقات المتتالية على نتائج مرضية أو حتى متوسطة الرتبة لكُنا استخلصنا أن المنسحبين أخطؤوا في حساباتهم ومبادرتهم. لكن ما القول الآن وقد تبدى النكوص بما لا غبار عليه وكذلك التدني الرتبوي والمعنوي في الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية الممتدة إلى 2021، وذلك في مرآة مرجعيته وتاريخيته.

ولا حاجة بنا للتذكير بالأرقام البليغة الدامغة ونسبها المئوية المؤلمة التي نزلت على كل اتحادي أصيل كالصدمة الفادحة، فهي مازالت حاضرة في ذاكرات وأذهان الاتحاديين، ناهيك عن خصوم قيادتهم السياسية. ولن نأبه في هذا المقام لكلام الشماتة والتشفي، نسمعه من هنا وهناك، ولا لنعيق غربان تنعى اليسار قاطبة من موقع تقوقعها وبطالتها السياسية.

إن قراءة تلكم النتائج-الرسالات يلزم أن تتحلى بجدية التمعن والتدبر وبالسعي إلى استخلاص العبر بالنقد الذاتي كما بإرادة النهوض وتخطي الكبوات.

إن صدمة 4 شتنبر المذكورة فاقت حجما وشدة صدمة أخرى تعود إلى الاستحقاقات التشريعية في 7 شتنبر 2007، إذ انتقل الحزب من الرتبة الأولى في انتخابات 2002 إلى الرتبة الخامسة؛ وظلت تلك الرتبة تراوح تقريبا مكانها في تشريعيات 2012 السابقة لأوانها، كما تأكد التراجع نفسه في الانتخابات الجماعية ليونيو 2009، علاوة على فقدان الحزب حضوره في مدن وازنة كبرى كانت من قبل تصوّت له غالبيا.

وإبانذاك كانت قيادات الحزب، كما في أحزاب أخرى، تتمادى في انتحال منطق تبريري وذرائعي بعديْ، منتقدة التقطيع الانتخابي ونمط الاقتراع النسبي اللائحي وبلقنة الخارطة الحزبية والعتبة والقاسم الانتخابي، وكنت ممن يضيفون إلى ذلك كله مواطن مأساة المغرب المعاصر، المتمثلة في العالم القروي الممتد إلى ضواحي المدن بأحزمته ومعضلاته، والذي بثقله الديمغرافي (زهاء نصف ساكنة المغرب) وبتفشي الأمية والفقر يشكل مراتع شاسعة لإفساد العملية الديمقراطية ومسخها. غير أن تلك العناصر وأخرى ملازمة – على صحتها – كان يمكن لأي حزب أن يشكو منها ويتعلل بها متى خسر وكبا وخابت توقعاته، أو أن يسكت عنها بل يحمدها إذا ما وافقته وخدمته؛ وهي في الحالتين معا من صنف ما تقبل جُلَّه الأحزابُ كقواعد ومعطيات بمجرد ما تنخرط في المسلسل الانتخابي وتعمل في ظله.

إن الصدمة التي يعيشها الحزب اليوم لم تنشأ عرضا أو من لا شيء، بل إن لها سوابق ومقدمات، لعل من أبرزها مشاركة الحزب في حكومة اللاتناوب برئاسة السيد إدريس جطو (2002)؛ والتي أعقبت حكومة التناوب التوافقي برئاسة القائد الراحل عبد الرحمن اليوسفي (1998).

ولا حاجة بنا إلى وصف هذه الصفحة التي نعرف حيثياتها وملابساتها، اللهم إلا لاستنتاج أنها -حزبيا – ما قوّت الاتحاد الاشتراكي وما هونت من تناقضاته ومعاطبه، إلى أن حلت نكسة 7 شتنبر سالفة الذكر، فكانت هزة كاشفة لم تفاجئ إلا الساهين والمتغافلين أو العاجزين عن الرصد والتحليل.

وقد تمخضت هذه الهزة حزبيا، كما نعلم، عن عواقب وخيمة شعبيا وديمقراطيا. وهذا الإقرار الاعترافي من طرف شرائح حزبية عريضة ينم عن نضج في الوعي وجنوح إلى المطالبة بممارسة النقد الذاتي؛ لكن السؤال المسكوت عنه في الغالب يظل هو نفسه قائما: هل من عوامل معقولة كانت تبرر ذلك الاندفاع بل الهرولة إلى تحصيل حقائب وزارية في حكومة جطو، وذلك بالرغم من أن بلاغ المكتب السياسي إذاك ندد بعدم احترام المنهجية الديمقراطية، كما نتذكر جميعا؟.

ويحسن هنا إبراء ذمة الوزير الأول الأسبق عبد الرحمن اليوسفي لكونه، من باب العفة والأريحية، ما كان له أن يوصي بترجمة ذلك البلاغ إلى مستتبعاته المنطقية، وذلك حتى لا يبدو كمن يقول: أنا أعفيت من مهامي فما عليكم إلا بالعدول عن المشاركة في الحكومة المشكلة بعدي؛ وكانت حجته إذاك أمام اللجنتين الإدارية والمركزية هي تفضيل متابعة الأوراش التي فتحتها حكومة التناوب التوافقي.

وبالتالي فإن عبء تلك المسؤولية يقع أساسا على كاهل أعضاء المكتب السياسي، الذي قبل وقتذاك المشاركة في الحكومة المذكورة (ولو أن الأستاذ محمد اليازغي عارضها في البدء ثم تراجع)، ومعهم الذين صوتوا لأجلها في اللجنتين المذكورتين.

بالطبع تستحيل كتابة التاريخ عكسيا، لكن يجوز أن نفترض أن الحزب لو اختار المعارضة وقتذاك بديلا، ولمدة خمس سنوات فحسب، متحليا بالصبر (والصبر في هذه الحالة فضيلة ثورية)، إذن لكانت سهومه شعبيا ولدى شرائح الناخبين قد علت بنحو دال، ولما عرف نكسته في تشريعات 2007 وحتى 2012، علاوة على الانتخابات المحلية والجماعية لما بين التاريخين، وكذلك استحقاقات 2021 الأخيرة (5 أكتوبر و8 شتنبر). فهل مع ذلك الخيار المشاركتي حصل تحول من مرحلة الراحل عبد الرحيم بوعبيد (أبونا الروحي جميعا)، الذي كانت مقولته “المقاعد لا تهمنا” (أي كغاية في حد ذاتها) إلى عهد شعاره الخفي أو المعلن “بل المقاعد هي ما يهمنا”؟.

واليوم، ما العمل؟

كثرٌ هم مناضلو الحزب النزهاء الذين يقرون شفاهةً أو كتابة بوجوده منذ أكثر من عقد في حالة تنظيمية وتواصلية سيئة تنعكس بجلاء في شرايينه التي هي كتاباته الإقليمية والجهوية وفروعه. لكن الكلام عن المسببات والعلل الظاهرة والخفية وعن الفاعلين المسؤولين عنها غالبا ما يكون مختزلا أو مخفّفا.

واليوم يتوجب، بعد تلكم الصدمات، الاتصاف بالحزم والجراءة في التفكير والسلوك، منطلقين من تصريف مسلمة مفادها ألا أحد مبدئيا داخل الاتحاد الاشتراكي، ولا حتى خارجه (من الدولة والمنظمات إلى الرأي العام) يرضى أن يؤول الحزب إلى وجود باهت، مستضعف، “يُلقّم” به عند الحاجة أو يُسخّر بعيدا عن قيمه وأساسياته؛ وإذن لا بد للغيورين عليه من مراجعات ونهضات لاستحقاق ماضيه النضالي المشرف وعلاج حاضره وتقويته من أجل البقاء الأصلح وإعداد تربة المستقبل.

وبادئ بدءٍ لا بد من إلقاء نظرة نقدية لسياسة معارضة قيادة الحزب لحكومة اليوم وحكومات الماضي القريب لنقول إنها كانت سياسة شد الحبل، أي صدامية ومعارضوية؛ وكان من الأجدى والأجدر أن تكون مهيأة، مدروسة من أجل الاقتدار على الإحاطة علما بالمستجدات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما بالملفات الكبرى والقضايا الحيوية الحساسة، وذلك كله حتى تتسم تلك المعارضة بالنجاعة والحجية والمصداقية في مقارباتها وعرض بدائلها.

لقد كان حريا بالقيادة الحالية أن تقف موقف التشبع بالفكرة الواردة في أرضية المؤتمر السادس، وهي بالحرف: «لقد خلف التقرير الإيديولوجي [للمؤتمر الاستثنائي، 1975] رجة ثقافية كبرى في الوسط السياسي المغربي، لما تضمنه من أفكار شجاعة بخصوص انتمائنا الإسلامي واشتراكيتنا الرافضة لدكتاتورية البروليتاريا…» وفي ما يخص الشق الأول، كان يلزم ربط القول بالفعل، أي السعي لأن يكون للحزب فقهاؤه وخبراؤه في الإسلام دينا ولغةً وثقافة، كما كان الشأن أيام العز مع العربي العلوي (شيخ العرب) وعمر الساحلي والحبيب فرقاني؛ وهؤلاء وغيرهم مهدوا لسبيل كان ينبغي تعميقه لاستعادة ما تيسر من تجذر في “القوات الشعبية” وشرائحها، التي لم تعد في خضم الأزمات المتفاقمة تطلب من السياسة وحتى الديمقراطية إلا تحسين أوضاعها المعيشية وممارسة حقوقها في التعليم والصحة والسكن اللائق والخدمات وشتى وسائل التيسير والإسعاد.

والخلاصة أن الحزب، قيادة وأطرا وقواعد، كان يحسن به أن يرى في “البيجيدي”، وأيضا “البام” من قبله تحديات جدية نشيطة، عليه بالنزوع إلى رفعها ليس عبر وسائل المشاحنات والصدامات غير المنتجة، بل بالأولى والأحرى من خلال استفراغ الجهد في تقوية الذات الحزبية وتمكينها من أسباب إعادة ترتيب البيت الداخلي وترشيد تسييره واستعادة الصحة الوافرة والتنافسية الخلاقة.

باستيفاء الشروط تلك وأخرى يتسنى للحزب في تشريعيات 2016 إلى 2021 أن يكون في مركز أفضل ليحصل على رتبة تحفظ له ماء الوجه حاضرا، ثم تسترجع، ولو بالتدريج، قوة وزنه وإشعاعه التي كانت له حتى الماضي القريب.

في استحقاقات 4 شتنبر المذكورة أعلاه، لم تعد تنفع الذرائع القديمة السابق ذكرها لتهوين نتائجها السلبية لدى من يحصِّلها، اللهم إلا أن نلقي، عوضا عنها، باللائمة على ممارسات تجارة الأصوات وشراء الذمم (التي كانت على أي حال متفاوتة الحجم والتأثير)، كما على المقايضات والتفاهمات في مسلسل التحالفات لتشكيل المكاتب والمجالس، فهذه عمليات شاركت كل الأحزاب تقريبا فيها من أغلبية ومعارضة، وإنْ بنحو متغاير.

ختامه نداء

إن ما أتيت عليه بالرصد والتفسير لماما يقودني إلى الإقرار بأن الحزب، وهو في منعطف حرج وأصعب امتحان، لا خيار لأعضائه أجمعين إلا السعي الحثيث إلى أعز ما يطلب، أي لـمّ الشتات ورأب الصدوع.

وهذا ما يحذو بي إلى ختم مقالي بهذه الكلمة-النداء، راجيا أن تصل إلى من يهمهم الأمر، وإلى ذوي الإرادات والمساعي الحميدة؛ وذلك من أجل ترغيب كل الإخوان والأخوات، وخصوصا كل الذين مارسوا باسم الحزب مسؤوليات في الدولة ومؤسساتها وفي مجالس وهيئات تابعة لها، في الرجوع إلى دارهم التي هي دار جميع الاتحاديين، وليس لأحد الحق في ادعاء تملك مفاتيحها وفضاءاتها إلا أن يكون دكتاتورا مغتصبا، فاقدا عقله وراكبا هواه.

وهذا الرجوع يكون بطلب من المجلس الوطني يزكيه المكتب السياسي القادم، وإن تحقق ففيه بشارة خير في سبيل تهييء المؤتمر الحادي عشر في ظروف مصالحة ووئام ودفء المحبة، وبوسائل الاحتكام إلى آليات الديمقراطية الحق التي لا ارتياب فيها ولا طعنا، وإن لزم الأمر بتفويض الإشراف عليها إلى جهة متخصصة محايدة، تقينا من احتمالات التزوير والغش. وفي انتظار عقد المؤتمر، يُسمح للراجعين تشكيل تيار يعمل على شاكلة ما تعمل به أحزاب في بلدان الديمقراطيات المتقدمة.

أما إن رفضوا العودة إجماعا أو غالبيةً فإن رفضهم سيكون بمثابة إعلان على رؤوس الأشهاد عن اختيار نهائي للانفصال والقطيعة، وسيكون مآله إضافة كيان سياسي آخر إلى تنظيمات صغرى فشلت في امتحان المسار أو البقاء، وأخطر من هذا تعريض حزب عتيد، هم أصلا منه وإليه، لشتى أنواع الآفات المتلفة، منها المزيد من التصدع وفقدان الوجهة والبوصلة. وإن رأى البعض مثالية في ما أدعو إليه فأنا أفضل هاته على الانهزامية والتلاشي، مستشهدا بتشي غيفارا: “لنكن واقعيين.. لننشُدِ المستحيل إذن”.

إن هذا النداء، على قصره، يعني أيضا وفي المقام الأرفع زعماءَ الحزب الأحياء، زعماءَ العزّ الذين، لا شك، يهصر قلوبَهم الألمُ والأسى على ما آلت إليه الأسرة الاتحادية من تفكك وفرقة وإيهان، أي إلى وضع اللاتحاد، وهم: السيدتان حسناء أبو زيد، لطيفة الجبابدي، نزهة الشقروني، وفاء حجي، والسادة عبد الواحد الراضي، محـمد اليازغي، فتح الله ولعلو، العربي الجعايدي، خالد عليوة، مـحمد بودرگه، مـحمد الكحص، وآخرون أمد الله في أعمارهم.

والأمل معقود عليهم في أن يفيدونا جميعا بأنوار عقولهم وحكمة اجتهاداتهم ووجاهة توجيهاتهم. والغاية: أن يسترجع الحزب الوجهة الرشيدة والبوصلة الناجعة، وينهض من كبواته، صحيحا معافى، حيويا وثابا. وهذه الدينامية التجديدية رهينة بوفاء أخينا إدريس لشكر للوعد الذي قطعه على نفسه، وهو الامتناع عن الترشيح لولاية ثالثة التي هو من أعلم الناس بكونها لا يسمح بها القانون المؤسس للحزب… والكرامة أولا.

مقترحات إصلاحية أولية

القائد من يعيد للحزب الصحة والصدارة.

وجوب تعهد المرشحين للقيادة بالتفرغ للحزب وشؤونه وقضاياه الحيوية.

توسيع صلاحيات المجلس الوطني وتقويته بأعضاء معينين بالصفة.

خلق هيئة حكماء للمشورة والاحتكام.

إحياء مؤسسة الدراسات والأبحاث مع نقلها إلى مقر الحزب بأكدال.

إنشاء بنك للكفاءات والمقترحات الدينامية الرافعة.

إعادة الاعتبار للمثقفين كفاعلين فكريين ونقديين.

إصلاح صحافة الحزب بالاحترافية والتفويض التعاقدي.

تغيير اسم الحزب بالاشتراكي الديمقراطي واسم الكاتب الأول بالأمين أو الرئيس.

وضع نشيد للحزب يكون من إبداعنا وليس نقلا عن النشيد الوطني المصري.

* عضو المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *