المغرب وألمانيا .. “مطبات المضمار” تسير نحو إعادة ترتيب الأوراق

“لا يمكن تغيير ما حدث، لكن يمكن تغيير ما سيحدث”. ربما تنطبق هذه القولة لسائق الفورمولا وان سيباستيان فيتل على الأزمة غير المسبوقة بين برلين والرباط.

فمنذ أن ظهرت الرسالة المنسوبة لوزارة الخارجية المغربية التي تطلب بتجميد جميع الاتصالات مع السفارة الألمانية في الرباط والمؤسسات الألمانية في المغرب، مرورا ببلاغ الخارجية المغربية واستدعاء الرباط لسفيرة المملكة في برلين، والمراقبون يحاولون فك شيفرة ما سماه المغرب، بسوء الفهم العميق.

هل يتعلق الأمر بحادثة سير في مسارات تداخل العلاقات المغربية الألمانية، أم أن الأمر له من التراكمات ما دفع بالرباط إلى التعبير فجأة عن غضبها؟ المغرب يقول إن هناك مطبات كثيرة في مضمار العلاقات المغربية الألمانية، وبرلين تقول إنها فوجئت من اللغة المفاجئة للمغرب.

ففي لقاء جمع وزارة الخارجية الألمانية ببعض ممثلي وسائل الإعلام في برلين، لم يفت مسؤولي الخارجية التشديد مرة أخرى على “أن المملكة المغربية شريك مهم لألمانيا. وأن العلاقات الثنائية الوثيقة والودية بين البلدين تعود إلى 65 عامًا، ومن وجهة نظر الحكومة الألمانية، فإنه من مصلحة البلدين العودة إلى العلاقة التقليدية الجيدة والواسعة”.

من دون شك أن ما يجمع بين البلدين هو أكثر مما يفرق بينهما. فالحوار المبني على الندية والاحترام المتبادل هو أساس أي تعامل لبناء شراكة تتطلع للمستقبل على قدم المساواة كما جاء في بيان سفارة برلين في الرباط.

لذا فإن ألمانيا كأهم قوة اقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي، والمغرب كدولة عريقة يبني ديمقراطيته بخطوات ثابتة، عززها بتنويع شركائه وبناء شراكاته مع الدول الإفريقية على مبدأ رابح رابح، تجعل منه بوابة أساسية للولوج إلى الأسواق الإفريقية. فالقارة الإفريقية التي تسعى من خلال خلق منطقة للتجارة الحرة القارية، إلى جمع 1.3 مليار شخص في تكتل اقتصادي حجمه 3.4 تريليون دولار. وهو ما سيجعل منها أكبر منطقة للتجارة الحرة منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية. خطوة ستمكن من انتشال عشرات الملايين من الفقر بحلول 2035، بحسب البنك الدولي.

مطبات المضمار

لا غرو أن مسألة التوقيت حاسمة في إدراك أي سوء فهم أو في تعميقه. فالشارع المغربي، اعتبر أن الإشارات السلبية المتعددة من برلين تجاه الرباط منذ منتصف 2019 أو خلال السنة الماضية كثيرة: تصريح وزير الخارجية بعد استقالة هورست كولر من منصبه كمبعوث أممي للصحراء، واللغة التي دعت بها ألمانيا إلى عقد جلسة لمجلس الأمن بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، واستبعاد المغرب من مؤتمر برلين ودراسة معهد برلين للعلوم السياسي SWP، كلها إشارات رأى فيها الشارع المغربي، سياسة معادية لمصالحه. وهي تصرفات زادت من تعميق سوء الفهم. غير أن الحوار والتواصل يمكن بكل تأكيد، أن يساهم في إدراك سوء الفهم هذا.

الصحراء سوء الفهم الكبير

علاقة المغاربة بالصحراء هي قديمة جدا، وهي امتداد المغرب نحو بعده الإفريقي. فلا تكاد توجد أسرة مغربية غير مرتبطة بالصحراء، سواء بوضع الشخص روحه للدفاع عنها، أو كمشارك في ملحمة المسيرة الخضراء الخالدة. فكما أن الوحدة الألمانية تكتسي أهمية قصوى لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الصحراء هي شرف المغاربة. لذا فإن هذا النزاع المفتعل بالنسبة للمغاربة، هو من مخلفات الحرب الباردة التي وضعت أوزارها بسقوط جدار برلين. من سخرية الأقدار أن يكون مؤتمر برلين 1884، هو أول المعاول الكولونيالية التي سعت لفصل المغرب عن عمقه الإفريقي.

من المفيد أن تنتبه عواصم كثيرة إلى أن مقترح الحكم الذاتي، هو أحد المساهمات الجادة التي يتقدم بها المغرب في إطار الأمم المتحدة لحل هذا النزاع الذي عمر أكثر من اللازم. غير أن الرباط والمغاربة، يقولون إن هذا المقترح هو أقصى ما يمكن أن يعطيه المغرب لأبنائه الصحراويين، في إطار مشروع الجهوية المتقدمة.

من نافل القول إن الخطاب السياسي المغربي معجب بإمكانية استلهام النموذج الفيدرالي الألماني كنموذج لحل نزاع الصحراء. إن قضية الصحراء ليست قضية ملك أو حكومة فقط، بل إن المغاربة قد يختلفون في كل شيء، إلا أنهم مجمعون على أن الصحراء هي خط أحمر لا يمكن المساس به.

وهذا ما يفسر إشادة الرأي العام المغربي بتحديث موقع وزارة الخارجية الألمانية بالإشارة إلى أن: “تبذل الأمم المتحدة جهودا تحت إشراف المبعوث الشخصي المعين حديثًا للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا لإيجاد حل لقضية “الصحراء الغربية”. فموقف الحكومة الألمانية ظل منذ عقود من الزمن، دون أي تغيير.

تساند ألمانيا المبعوث الشخصي في جهوده للوصول إلى نتائج سياسية عادلة ودائمة ومقبولة من كل الأطرافعلى أساس القرار رقم 2602 المنبثق عن مجلس الأمن الدولي في 2021. ومن خلال مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها في 2007، قدم المغرب مساهمة هامة للوصول إلى مثل هذا التوافق”.

لذا فإن الحل العادل هو المبني على الواقعية السياسية وليس على آليات الحرب الباردة. لكن الأهم من هذا هو اعتماد الوضوح والبراغماتية في المواقف، وليس الغموض وإرسال إشارات متناقضة.

قد أفهم أن صراع الأجنحة واختلاف وجهات النظر، يمكن لهما أن يلقيا بظلالهما على تجاذب التيارات، غير أننا هنا أمام مصالح دولة فاعلة في المشهد السياسي العالمي وليس أمام أحلام رومانسية لزمن ما بعد الحرب العالمية الثانية. إن الواقعية السياسية قد تفتح الباب مرة أخرى لاستعادة برلين لعمقها المتوسطي ـ الإفريقي.

بات واضحا أن مشكلة الصحراء المغربية هي الجارة الجزائر أو بالأحرى حكامها. فلا قدر الله وأُدخلت المنطقة في نزاع ستكون نتائجه كارثية على الجميع، وعلى الضفة الشمالية والاتحاد الأوروبي. إن سيناريو هجرة جماعية نحو الشمال غير مستبعد تماما. لذا لا بد لدول الاتحاد الأوروبي من اتباع الوضوح والحزم كي يتعقل جنرالات الجزائر، فهم لم يكفيهم العيش في كنف ديكتاتورية عسكرية والتحالف مع إيران وأطراف أخرى تزعزع استقرار دول الاتحاد، بل يدفعون بالمنطقة نحو المجهول، فيما يعتبر المغرب حليفا استراتيجيا لمكافحة الإرهاب.

إعادة ترتيب الأوراق

مرة قال فليسوف التنوير فولتير “من النقاش يبزغ الضوء”. الآن وبعد مرور حوالي تسعة شهور من هذه الأزمة غير المسبوقة بين الرباط وبرلين، يفترض أن تكون هذه الفترة كافية للطرفين لإدراك ما وقع في مضمار العلاقات المغربية الألمانية من مطبات. فإذا كانت الخطوة المغربية محاولة لوضع نقطة نظام في مسار علاقات البلدين، بعد سنوات من الأزمة الصامتة، وظهور مؤشرات على تباعد في وجهات نظر إزاء ملفات استراتيجية على الأصعدة المغاربية والإفريقية والأوروبية، فإن الوقت قد حان للجلوس إلى الطاولة وكشف جميع الأوراق.

من المؤكد أن تداعيات هذه الأزمة عطلت الكثير من مشاريع التعاون بين الطرفين. فالأمر لا يحتمل مزيدا من التأخر لحلحة الوضع. إذ لا يوجد خاسر أو رابح من هذه الأزمة، فالجميع مكبل بتداعياتها على جميع الأصعدة. ففي الوقت الذي تزيد فيه حدة تداعيات التغير المناخي، بات واضحا أن آفاق التعاون بين البلدين واعدة لتعزيز الاقتصاد الأخضر. إذ قطعت بعض الخطوات في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مع المغرب مراحل مهمة، وكانت ستشهد قفزة كبيرة بعد توقيع حكومتي البلدين في يونيو2020 اتفاق لإقامة مشروع طاقة الهيدروجين الأخضر.

وكان من شأن هذا المشروع تحويل المغرب إلى أكبر مصدّر عالمي لطاقة الهيدروجين الأخضر الصديقة للبيئة أو ما يصطلح عليه “النفط النظيف”.

كما أن أحد أهم مجالات التعاون بين البلدين عرفت تضررا كبيرا، ويتعلق الأمر بالتعاون الأمني. فالمغرب الذي قدم مساهمات كثيرة لتعزيز أمن ألمانيا، كان ينتظر أيضا المعاملة بالمثل.

ويبدو أن شيئا من تراخي برلين على هذا المستوى، وتسريب معلومات أمنية كما يقول المغرب، جعلها في نظر البعض تصرفات للعبث بأمن المغرب. فالحوار بين البلدين سيذيب الكثير من الجليد الذي لا أحد يريد أن يغامر بالمشي فوقه. خطوة برلين مهمة تنظرها خطوة مغربية لاستكمال هذا المسار بتصريح مشترك، قد يكشف عن تفاصيل جديدة لضمان مسار جيد في مضمار المسرح السياسي، حتى لا نبقى حبيسي طلقة في الهواء مدسوسة بين أسطر تحديث موقع الخارجية فقط.

برلين تحتاج الرباط كشريك قوي والرباط بحاجة لبرلين لفتح آفاق جديدة. ربما أصبحت الفرصة مواتية لخروج إعلامي مع وسيلة إعلام ألمانية لوزير الخارجية المغربية الذي يحظى باحترام كبير في برلين بحسب شهادات لسفراء ألمان سابقين في الرباط.

وبما أنه وزير مغاربة العالم، فالمناسبة شرط كما يقال، للتذكير بدور مغاربة العالم في الديبلوماسية الموازية. إنهم قاطرة مهمة في مسار التنمية سواء بنقل المعرفة أو من خلال التحويلات المالية. ففي عز أزمة تداعيات كوفيد، بلغت تحويلاتهم 63 مليار درهم حتى نهاية شهر غشت من السنة الجارية، مقابل 43 في نهاية نفس الشهر لسنة 2020؛ ما يمثل ارتفاعا بنسبة 45,7 في المائة، بحسب مكتب الصرف.

قد يكون الانفتاح على مغاربة ألمانيا مناسبة أيضا لتقريب وجهات النظر وفهم بعض تعقيدات إشارات المرور التي قد تساعد في قيادة خالية من المطبات. فاللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب، ولكنها أيضا آلية تساعد على فهم ثقافة البلد وإشاراته وهمساته.

لا بد من الإقرار أيضا بأن خطاب المغرب لا يصل في كثير من الأحيان إلى صناع القرار في برلين. وهنا أتحدث عن الفرق البرلمانية وعشرات المنظمات والمؤسسات والهيئات الألمانية التي يكون لها كلمة الفصل في العديد من الملفات. لذا بات من الضروري تشكيل مراكز “تينك تانك” لنقل المواقف والدفاع عنها. وتبقى إحدى علامات الاستفهام الكبرى، التخلي عن تقليد كان قد دشنه الوزير الأول الراحل عبد الرحمن اليوسفي بزيارته التاريخية لبرلين، تبعتها زيارة خلفه ادريس جطو في ألفين وستة. وهي آخر زيارة لمسؤول من هذا الحجم. فإذا فات الأوان لتغيير ما حدث، لا تزال أمامنا فرص كثيرة لتغيير ما سيحدث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *