بوبكري: هذه أسباب ترشحي لتحمل مسؤولية حزب الاتحاد الاشتراكي

في هذا المقال يشرح محمد بوبكري، القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، دواعي تقديم ترشيحه للكتابة الأولى للحزب، لخلافة كاتبه الأول إدريس لشكر.

كما يقدم بوبكري قراءة نقدية لمسار وتاريخ الاتحاد الاشتراكي، معتبرا أن الجمود الفكري الذي يعيشه يرجع إلى عدم تخلصه من ثقافة التأسيس القومجية، التي جعلته شبيها بأحزاب الشرق الأوسط الناصرية.

وهذا نص المقال:

لقد فكرت مليا قبل اتخاذ هذا القرار؛ بعد أن تبدى لي أن حزبنا في حاجة إلى إصلاح فكري، وثقافي، وسياسي، وتنظيمي…

إن أول الإصلاحات التي ينبغي القيام بها هي أن نشرع في قراءة نقدية لتاريخ الحزب، بهدف فهم هذا التاريخ وممارسة قطيعة مع سلبياته، التي مازالت عالقة بفكرنا وممارساتنا، وتشكل عائقا أمام تطورنا الفكري والثقافي والسياسي والتنظيمي، لكن قبل الشروع في هذه القراءة النقدية السريعة، تنبغي الإشارة بدءا إلى أنني لا أهدف من وراء ذلك إلى الإساءة إلى أي أحد، أو أي جهة؛ بل غايتي بالأساس هي تسليط الضوء على سلبياتنا، التي مازالت تعوق تقدمنا، لأنها تحولت إلى عوائق دينية وثقافية تشكل عائقا ذهنيا في وجه تقدمنا…

لذلك، فعندما نرجع إلى مرجعيات تأسيس حزبنا، الذي أعطى الكثير لهذا الوطن، نجد أنه كان في بدايته حزبا قوميا بنفحة سلفية، وأخرى اجتماعية؛ إذ حرص مؤسسوه على أن يكون حزبا قومجيا شبيها بأحزاب الشرق الأوسط القومجية، فكان النموذج آنذاك هو الناصرية وجبهة التحرير الجزائرية والبعثية بمختلف أشكالها وتلاوينها؛ لكن نجم عن هذه الحمولة القومجية تبني ثقافة هذه الأحزاب وأهدافها السياسية؛ إذ كان الاتحاد يمتح من فكرها وثقافتها السياسية، وتصوراتها التنظيمية. وقد بقي الاتحاد على هذه الحال لما يزيد عن عقد من الزمن، ما جعله، خلال هذه المدة، يتصرف بعقلية انقلابية ناجمة عن تأثره بالفكر القومجي وتبنيه فكر الأنظمة العسكرية الشرق أوسطية، فارتكب مجموعة من الأخطاء، التي تسببت له في كبوات ونكسات عديدة، حالت دون نموه، وانخراطه، بشكل مفيد، في المساهمة في التغيير والبناء الديمقراطي في بلادنا.. كما أن الثقافة القومجية، من حيث طبيعتها، تقوم على الانغلاق على الذات، ولا تقبل الانفتاح على الآخر، ما قادها إلى عدم الاعتراف بكل من التعددية الثقافية، والسياسية، حيث لا تقبل الاعتراف بالآخر، المختلف ثقافيا ولغويا وعرقيا؛ وهذا ما خلق لحزبنا عوائق ثقافية وتنظيمية، حالت دون توغله ثقافيا وتنظيميا في المجتمع المغربي.

وانتقل حزبنا في منتصف السبعينيات إلى تبني “الاشتراكية العلمية” فكرا وممارسة، الأمر الذي تم التفصيل فيه في التقرير الإيديولوجي الصادر عن المؤتمر الاستثنائي، الذي انعقد سنة 1975. لكن للأسف، لم يعلل هذا الانتقال من الفكر القومجي، إلى “الاشتراكية العلمية”، الأمر الذي جعلنا لا ندرك مساوئ القومجية ومخاطرها؛ إذ نجد اليوم أن بعض الاتحاديين مازالوا يجترون هذا الفكر القومجي العسكري، المناهض للديمقراطية؛ لأنه فكر ينهض على العنف والواحدية، الأمر الذي قد يشكل عائقا في وجهنا مستقبلا، كما أنه قد يتفاعل مع أفكار وعوامل وتحولات أخرى، قد تخلق مشاكل في وجه التطور الديمقراطي لحزبنا ولمجتمعنا…

أضف إلى ذلك أن “الاشتراكية العلمية” تتعارض، من حيث طبيعتها ومقتضياتها وإجراءاتها، مع الديمقراطية؛ لأن كل واحدة منهما تمتح من إطار مفهومي يتعارض مع الإطار المفهومي للأخرى. علاوة على ذلك، لقد حاول التقرير الإيديولوجي، الصادر عن المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975، الجمع بين الاشتراكية العلمية والديمقراطية، ما لا يمكن تسويغه نظريا، أو منهجيا. ويقول بعض المناضلين الكبار، ممن شهدوا على ذلك العصر، إن المرحوم “عبد الرحيم بوعبيد”، الذي كان اشتراكيا ديمقراطيا حتى النخاع، لم يعجبه تشبث الإخوان آنذاك بـ”الاشتراكية العلمية”، فقال لهم أضيفوا إلى هذا المفهوم أننا نريد بناء الاشتراكية بالديمقراطية…هكذا، استطاع هذا القائد الفذ إنقاذ المؤتمر الاستثنائي من تبني أي نزعة تميل إلى العنف، فاستطاع الاتحاد أن يتخلص نظريا من النزعة الانقلابية الناجمة عن تأثره في مراحله الأولى بالنزعة القومجية …

هكذا، كانت هذه العوامل كلها وراء عدم قدرة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على تبني الفكر الاشتراكي الديمقراطي، بشكل مبكر؛ ولما تبناه بشكل صريح في مؤتمره السادس، لم يتم تفسير هذا الانتقال بشكل واضح، ما جعل أغلبية أعضاء الحزب لم يستوعبوا هذا الاختيار على وجه أفضل، فصرنا لا نعرف كيفية توظيف المرجعية الاشتراكية الديمقراطية لتطوير اختيارات سياسية تنسجم مع هذه المرجعية، فصرنا نتخبط سياسيا، دون القدرة على تعليل قراراتنا السياسية بشكل مفهوم كونيا؛ كما أننا عجزنا عن تبيان الخيوط التي تربطها بهذا الاختيار، من أجل تأكيد أن مشروعيتها مستمدة منه.

كما أن الاتحاد لم يستطع ملاءمة الاختيار الاشتراكي الديمقراطي مع بينة المجتمع المغربي، فنجم عن ذلك عدم قدرتنا على تجذيره في مجتمعنا، الأمر الذي يفيد بأننا لم نستطع استنباته في المغرب، فصرنا نتبنى فكرا ونصدر قرارات سياسية لا صلة لها بالمجتمع، لأننا لم نستطع استعمال خيالنا وعقلنا لإنتاج قرارات ومشاريع منبثقة من المرجعية الاشتراكية الديمقراطية، للبرهنة بشكل ملموس على فعالية هذا الاختيار. وهذا ما يعني أننا لم نستطع تبيئة الفكر الاشتراكي الديمقراطي في حزبنا، ولا مجتمعنا؛ وهذا ما يؤكد عجزنا عن نشر هذا الفكر وجعله متجذرا في المجتمع المغربي. لذلك يجب استعمال الخيال لتطوير إستراتيجيات وأساليب تمكننا من تعميق الفكر الاشتراكي الديمقراطي في حزبنا، ونشره في مجتمعنا، وتقديم الدليل الملموس على فعاليته في المجتمع، الأمر الذي لم نستطع إنجازه إلى حد الساعة؛ وهذا ما يؤكد أن الاتحاديين مازالوا يحملون عوائق فكرية تنتمي إلى مختلف الأنواع الفكرية التي تبناها الحزب عبر مراحل تطوره التاريخي، والتي تحول دون استيعابه للفكر الاشتراكي الديمقراطي، وكيفية توظيفه للإنتاج الفكري والسياسي في مجتمعنا.

هكذا، فإن عدم هضم الاتحاديين للتجارب الفكرية والسياسية والتنظيمية التي مروا بها هو ما حال دون استيعابهم لها، وعدم قدرتهم على القطع مع سلبياتها، والانخراط في أفق واعد…

ويمكنني القول إنه كان يوجد في صفوف الاتحاد الاشتراكي مثقفون ومبدعون من الطراز الرفيع، ومع ذلك لم يستطع تطوير مشروع ثقافي، ما جعل مناضليه يجترون ثقافة قبلية سلفية قومجية، حالت دون انفتاحه الثقافي، وتكلس فكره، وصار عاجزا عن الإنتاج الفكري، الأمر الذي نلاحظه اليوم؛ إذ لم يعد لهذا الحزب مثقفون كما كان عليه الأمر في فترة السبعينيات، والثمانينيات، والتسعينيات، وهذا ما انعكس سلبا على إشعاعه راهنا، وكذا على إعلامه. وإذا استمر الحزب بعيدا عن المثقفين فإن عقمه سيتعمق أكثر، إذ إن الجفاف الفكري الذي ضربه يفسر بابتعاده عن المثقفين، وعدم قيامه بقراءة نقدية لتاريخه الفكري والسياسي، تمكنه من معرفة العوائق الفكرية والثقافية التاريخية، التي مازالت تعرقل مسيرته الفكرية والسياسية والتنظيمية، إذ صار لا يمتلك إستراتيجية لبناء مشروع واضح وفعال، يستطيع من خلاله إقناع أفراد المجتمع المغربي، بهدف إحداث تحولات ثقافية واجتماعية وسياسية تمكنه من الانخراط في روح العصر، ما يؤهله للاستمرار فاعلا مستقبليا؛ وبدون ذلك، سيختنق ويكون مآله إلى زوال.

لقد اتخذنا مؤخرا قرارا للانخراط في المعارضة، لكن ما يجب توضيحه هو أن اختيارا كهذا لا يتم عبر صيغة البيانات؛ بل عبر خطاب واضح ومدقق يبرهن على امتلاكنا لرؤية عميقة، وقدرتنا على استشراف المستقبل، والانخراط في صنعه. هكذا، فقد كان حريا بنا، مثلا أن نقوم بنقد التصريح الحكومي والقانون المالي من أجل الكشف عن ضعفهما، كما ينبغي ألا نتوقف عند هذا الحد، بل يلزمنا القيام بالتقدم بمقترحات دقيقة بغية خلق نقاش وطني داخل المجتمع، الأمر الذي سيفتح لنا المجال لتأطيره وتجسير الهوة السحيقة القائمة بيننا وبينه، حتى نندمج فيه، ويندمج في حزبنا. وإذا لم نقم بذلك، فإننا سنكرس القطيعة بيننا وبين المجتمع، فنتحول إلى مجرد أشلاء على قارعة الطريق… وإذا ترددنا في ممارسة المعارضة بشكل سليم فإن هذا سيفضح ترددنا، إذ ستوجه إلينا الاتهامات، لأننا إذا أحجمنا عن النقد الدقيق المشفوع بمقترحات ملموسة سيؤدي بنا ذلك إلى تصنيفنا ضمن معسكر الحكومة، ما سيثير شكوكا فينا، كما أنه قد يؤدي إلى إضعافنا سياسيا وتنظيميا…

لقد انعكست هذه العوامل المشار إليها أعلاه على مشروعنا التنظيمي، فتحول حزبنا إلى قبائل، أو طوائف متناحرة لا تعترف بوجود بعضها البعض، ما يفيد بأنه لم يعد للفرد أي وجود في هذا الحزب، ما قضى على روح الإبداع لدى أعضائه… وإذا كان هذا الحزب يعلن أنه يسعى إلى البناء الديمقراطي، ويريد إقامة نظام برلماني سليم في المغرب، فإن هذا يفرض علينا طرح السؤال التالي: هل الاتحاد الاشتراكي يعتمد نظاما برلمانيا في داخله؟ لقد تأكدت من تتبع الحياة اليومية للاتحاد الاشتراكي ولغيره من الأحزاب المغربية أن أنظمة هذه الأحزاب تتعارض مع النظام البرلماني؛ بل إنها تقاوم إقامته داخلها؛ ويعود ذلك إلى أن بنيتها العميقة قبلية وسلفية وقومجية. لذلك فإذا كان الاتحاد الاشتراكي لا يقبل بإقامة نظام برلماني داخله فكيف يمكنه أن يطالب بإقامة شيء في البلاد لا يؤمن به؟!! وهذا ما يعني أننا مازلنا تنظيميا دون مرحلة النظام البرلماني. هذا هو منتهى التناقض!!.
علاوة على ذلك يتعين على الحزب أن يصلح ذاته سياسيا وتنظيميا لتسهيل عودة الاتحاديين الغاضبين، الذين انزووا، أو غادروا الحزب لاعتبارات عديدة، لأن من بين هؤلاء رموزا ومناضلين أسهموا بقسط وافر في بناء هذا الحزب، ومن شأن عودتهم أن تنفث روحا جديدة في الحزب؛ إذ بدون عودتهم إليه لا يمكن أن نمكن حزبنا من القيام بإقلاع تنظيمي سليم وموفق…

خلاصة القول، إن مضمون هذه الورقة هو محاولة نقدية مركزة هدفها عرض الأسئلة المطروحة على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليوم، التي بدون الإجابة عنها لا يمكن لهذا الحزب أن يكون مؤسسة سياسية فعلية قادرة على تأطير المجتمع وبناء مواقف ومشاريع تمكننا من الإسهام بشكل كبير وعقلاني في بناء المغرب… إن إثارة هذه الأسئلة تدخل في باب الغيرة على الاتحاد بهدف إعادة بنائه على أسس متينة من أجل أن يكون قادرا على الاضطلاع بمسؤولياته التاريخية في البناء الديمقراطي.

وجدير بالذكر أن محاولة رصد ثغرات الاتحاد الاشتراكي، بشكل مركز، لا نروم من خلالها أن نتبرأ من تاريخه؛ بل نفتخر بهذا الحزب، ونتشرف بالانتماء إليه…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *