دور المغاربة في مساندة الثورة الفلسطينية .. السرفاتي وبرادلي وبنونة

لا يمثل البحث عن مغاربة فلسطين ضربا من الحذلقة المجازية، يحضر اسمهم عند مدخل القدس بوابة فلسطين، وعبر حي المغاربة، أو أوقاف المغاربة المجاورة لحائط البُراق. لقد بدأت هجرة المغاربة منذ العصر الأيوبي، كان حي المغاربة البوابة الأولى التي دخل منها صلاح الدين الأيوبي في طريقه للصلاة بالمسجد الأقصى. لقد شهدت مدينة القدس (969-1070) زيادة في أعداد المهاجرين المغاربة، إذ كانوا يمثلون الغالبية في الجيش الفاطمي الذي غزا بلاد الشام.

ولقد استوطن بعضهم مدينة القدس فيما عُرِف بـ(حارة المغاربة) الواقعة في الجهة الجنوبية من القدس بجوار الحرم القدسي الشريف. ونظرا لكثرة عدد المغاربة المقيمين في مدينة القدس فقد جعل لهم صلاح الدين الأيوبي شيخا يتولى أمورهم ويرعى مصالحهم ويمثلهم في المحكمة الشرعية. وكان “شيخ المغاربة” صِلة الوصل بين السكان المغاربة من جهة، وسلطات المدينة من جهة أخرى ممثلة بالوالي. ولقد أطلقت على شيخ المدينة ألقاب عديدة، مثل شيخ السادات وأحيانا شيخ المشايخ وشيخ المغاربة. وقد صار للمغاربة في مدينة القدس وقْف لهم فيه نصيب وافر، فكانت هناك عشرات الأوقاف العائدة لشخصيات من عائلات مغربية، وتعتبر وقْفِية حارة المغاربة التي أوقفها الملك الأفضل نور الدين بن الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي عام 1192 أول أوقاف المغاربة. لقد استنجد صلاح الدين الأيوبي الذي كان يحارب الصليبيين في الشرق بالملك المغربي المُوحدي الخليفة يعقوب المنصور، الذي كان بدوره يحارب حينئذ النصارى في الأندلس، (فأغاثه الملك الموحدي بعد أن جهز له 180 سفينة حربية أرسلها إلى الخليفة صلاح الدين الأيوبي لصد الهجوم الصليبي البحري على كل من فلسطين والشام) حسب المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري، صاحب كتاب “الاستقصا”.

لكن بعد نهاية الحرب ضد الصليبيين تمسك صلاح الدين الأيوبي بالمغاربة، وطلب منهم الاستقرار بشكل دائم بمدينة القدس، التي سالت على أسوارها دماء كثيرة. ووقف وزير العدوان الإسرائيلي موشي ديان، ذات يوم، أمام شاهدة “حي المغاربة” بعد حرب الخامس من يونيو1967 المشؤومة، بعنجهية المنتصر الذي يسعى إلى الانتقام من ماضي الحضور الإسلامي في فلسطين، معلنا عن بداية التأريخ للاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني للقدس، التي دشن فيها اليهود السياسة الاستيطانية كأَسْوَإ التجارب الاستعمارية، وذلك بصفتهم ورثة نظام الأبارتايد والتمييز العنصري الذي كانت تعتبر دولة جنوب إفريقيا آخر معاقله، والذي انتهى إلى زوال، مع بطولات المناضل نيلسون مانديلا زعيم المقاومة الشعبية السلمية..،

لكن بالرغم من بُعد المسافة عن فلسطين والمسجد الأقصى، فقد جعل المغاربة من القدس أيقونة فلسطين، كانوا يحجُون إلى المسجد الحرام، ثم يعرجون إلى المسجد الأقصى، الذي لا يضارعه بالنسبة إليهم أي مكان آخر في العالم، فالمغاربة لم يكتفوا بالتضامن مع الأشقاء من بعيد، بل كانوا منذ القديم يتطلعون روحيا إلى القدس والمسجد الأقصى. لذلك، لَبوا النداء الأول، من أجل الذود عن فلسطين، عندما دعاهم صلاح الدين الأيوبي إلى ذلك، فَهَب المغاربة في عهد السلطان يعقوب المنصور، لنجدته بالدعم الحربي والأسطول البحري.

اشتهر المغاربة بأنهم من أكثر الجاليات الإسلامية حضورا وتواجدا في فلسطين، يرجع السبب في ذلك إلى أنهم في طريقهم إلى الحج كانوا يفضلون أن يجاوِروا بالمسجد الأقصى، وعند عودتهم كانوا يستطيبون المقام بالقدس الشريف. لهذا تجد أن كثيرا من العائلات المعروفة بالمغرب استقرت بالقدس وفلسطين، وما زال أحفادهم يعيشون فيها إلى حد الآن، من أشهرهم عائلات الريفي والمصلوحي والعلمي والحْبوسي وعائلة الشهيدة دلال المغربي وفاطمة برناوي الفلسطينية، التي كانت أول أسيرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي. ونظرا لكثرة المغاربة المقيمين في مدينة القدس فلقد ابتنى لهم القائد صلاح الدين الأيوبي حيا خاصا بهم، عُرف باسم “حي المغاربة” وما زال موجودا إلى حد الآن، وأنزلهم فيه مُنزلا كريما بأن وضع لهم وَقْفا جاريا، وقال صلاح الدين الأيوبي بهذه المناسبة، شهادة عرفان وتقدير في حق بطولات المغاربة “(أسْكَنْتُ هناك مَن يثبتون في البَر ويبطشون في البحر، وخير من يُؤتمنون على المسجد الأقصى وعلى هذه المدينة)”.

ويتجلى تعلق المغاربة الوجداني بفلسطين منذ الاحتلال الأجنبي، ومع ظهور الحركة الإصلاحية المغربية والمقاومة الشعبية. لقد تطلع المغاربة في تلك الفترة إلى الانخراط والتضامن مع الكفاح الفلسطيني في حرب 1948، وقاموا خصوصا في شمال المغرب بالمظاهرات السلمية والاحتجاجات الشعبية. ويحكى أنه في مدينة القصر الكبير بشمال المغرب، التي كانت فيها جالية يهودية كبيرة، وقعت مشادة عنيفة ومسيرات احتجاجية بين اليهود القصرويين والسكان المسلمين بعد حرب 1948، نتيجة لعرض مسرحي بسينما “بيريس كالدوس”، اعتبره اليهود مسيئا لهم، لأنه يتطرق لصُلح الحُديبية الذي جرى بين المسلمين واليهود في عهد الرسول. ولقد انتهت هذه المواجهات بتدخل شرطة السلطات الاستعمارية، بعد وقوع جرحى من كلا الجانبين.

كما أن التطلع إلى قيام نهضة علمية وتربوية في المغرب، برزت في مطلع القرن الماضي بمدينة تطوان، بتوجيه من أبي الحركة الوطنية في شمال المغرب، الوطني عبد السلام بنونة، الذي أرسل أول بعثة للدراسة إلى مدرسة “النجاح الوطنية ” بنابلس الفلسطينية، التي تحولت إلى جامعة في عقد الأربعينيات، وكان من أشهر طلابها قيدوم الإعلام المغربي الراحل الطيب بنونة، الذي عمل بعد تخرجه عضوا بمكتب المغرب العربي بنيويورك ومؤسسا ورئيسا بعد الاستقلال لوكالة المغرب العربي للأنباء.

بدأ الوعي التقدمي يتشكل عند النخب المغربية بالقضية الفلسطينية، في فترة مبكرة، مع بداية عقد الستينيات من القرن العشرين. وكان الشهيد المهدي بنبركة، من الرواد القلائل على المستويين العربي والإفريقي، من استشعروا خطر التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا التي كانت قد خرجت شعوبها للتو من معركة الاستقلال الوطني، عندما قام الشهيد المهدي بنبركة بنشاط إشعاعي مستنير، وذلك عند إلقائه لمحاضرة بالقاهرة حول “دور إسرائيل في إفريقيا” شارك بها في “ندوة فلسطين العالمية” بتاريخ 6 أبريل 1965، قبل هزيمة يونيو1967، ضاربا المثل بالاغتيال الدموي العنصري الذي تعرض له الرئيس والزعيم باتريس لومومبا. كما أن الشهيد المهدي بنبركة سيتوِج نضاله الأممي بانتخابه رئيسا لمؤتمر القارات الثلاث. ولقد كان للمخابرات الإسرائيلية دور في التعجيل باغتياله، من خلال مشاركة جهاز الموساد في اختطافه الذي جرى في باريس سنة 1965.

يرتبط المغرب مع مواطنيه من اليهود بعلاقة تمتد إلى أكثر من ألف سنة، كانت مثالا حيا للتعايش المشترك. كما أن المغرب برهن دائما عن نُبل سماحته، عندما قام الملك الراحل محمد الخامس بإيواء اليهود المضطهَدين من قِبل حكومة فيشي الفرنسية، في زمن الحرب العالمية الثانية. ويعتبر المغرب البلد الوحيد عربيا الذي أبقى على الجالية اليهودية في وطنهم الأم المغرب، ولم يقم بطردهم خارج بلادهم بالرغم من مؤامرات الموساد التي كانت تحفزهم على الهجرة إلى إسرائيل بالترهيب والترغيب. وفي هذه الفترة، قامت جُل الدول العربية بطردهم وتشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين، كما فعل الرئيس جمال عبد الناصر غداة الانقلاب على نظام الملك فاروق، ليعززوا صفوف المهاجرين الصهاينة في إسرائيل؛ بينما كان أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية ينادي في إذاعة القاهرة، بالغُدو والآصال، أنه “سيلقي باليهود” في البحر، إلى أن أسكتته هزيمة يونيو سنة 1967.

لكن مع نهاية عقد الخمسينيات، كتب المناضل اليهودي التقدمي أبراهام السرفاتي، المنتمي آنذاك إلى صفوف الحزب الشيوعي المغربي، منشورا سريا يدعو فيه اليهود المغاربة إلى الانضمام إلى مواقف الحركة الوطنية التقدمية، وتنبيههم إلى اتخاذ الحذر من مؤامرة الخطر اليهودي الذي قامت به الوكالة اليهودية من أجل تهجير اليهود المغاربة إلى إسرائيل، وضرورة الوعي بما يحاك لهم من أحابيل (المتاجرة السافرة باللحوم البشرية لليهود المغاربة).كما يقول أبراهام السرفاتي في بيانه.

في سنة 1961، ستَصدُق توقعات المناضل اليساري أبراهام السرفاتي، وستنطلق حملة إسرائيلية عنصرية ممنهجة ومعادية للسامية، تسعى إلى تهريب اليهود المغاربة وتهجيرهم إلى إسرائيل. يظهر ذلك جليا، عندما رَصَت بميناء الدار البيضاء “باخرة أكسيدوس” المكلفة بنقل اليهود المغاربة قسرا إلى إسرائيل، وهذه الواقعة التاريخية التقطها عند حدوثها في أواخر عقد الستينيات من القرن العشرين، شاعر مغربي شاب، هو الشاعر أحمد المجاطي / المعداوي، عندما رصد من داخل ميناء الدار البيضاء هجرة اليهود المغاربة في قصيدة بعنوان “باخرة أكسيدوس” وسيتحول هذا الشاعر لاحقا فيما بعد إلى أحد رواد قصيدة الحداثة المغربية، الذي كان يلتقط بعين شعرية ثاقبة ما يحدث في ميناء الدار البيضاء، وبرؤية وطنية صادقة وتضامن غيور مع فلسطين؛ لكن للأسف الشديد، فإن هذه القصيدة الاستشرافية ليست مُدرجة ضمن قصائد الديوان، لهذا ننشر بعض أبياتها كاملة، للتعريف بها وتعميم الفائدة :

عُباب رجع موسيقى، صراخ عنبر مهتاج

وتسكر من أنين الجاز ألف مليحة مفتاح

وتزحف أكسيدوس، على ربيع ضاحك الأمواج

فلا كثبان من سيناء، غلفهن ليل داج

ولا بيداء يصدى الماء عند سرابها الوهاج

سوى حلم، تهيم على مواقع خطوه الأفواج،

بلون ليل إسرائيل، من إشراقة المعراج

عيونك يا بلادي، صحوة غبشت وحزن ضاف

أشاح بوجهه عن موجة يغتابها مجداف

فقضت أكزوديس، بين جناح رب في يقين صاف

وسالت في دمائي موجة مثلوجة الأعلاف.

ولكن الذي يجري دم في القدس مطلول

فإن قلنا غداة غد، يدق النصر أرغول

أغار على جناح النسر، في الظلماء (شاويل)

وتزحف أكزوديس، في دمي والسيف مسلول

بعد هزيمة يونيو النكراء، التي تعرضت لها الأنظمة العربية على يد إسرائيل، كانت هذه النكسة بمثابة المحفِز للدفع بعدد من الشباب المغربي للانخراط في صفوف المقاومة الفلسطينية. وكانت كوكبة من الشباب المغربي التي تمثل استثناء في شمال إفريقيا، الذين كانوا في مقدمة المنتمين إلى الكفاح المسلح الفلسطيني، وأولهم:

1ـ عبد الرحمان اليزيد أمزغار

من مواليد مدينة أصيلة المغربية، انقطع عن الدراسة بعد حصوله على شهادة التعليم الثانوي، وكان عضوا في جمعية قدماء تلاميذ ثانوية الإمام الأصيلي ولاعبا في نادي الشباب الأصيلي لكرة القدم، سافر في البداية إلى إسبانيا سنة 1973، ليلتحق بعد أقل من عام بصفوف الثورة الفلسطينية. وفي 19 يناير 1974، شارك في العديد من العمليات العسكرية داخل الأرض المحتلة وفي صَد الهجمة الإسرائيلية على كفر شوبا بجنوب لبنان، وجاء استشهاده إثر عملية فدائية في 15 يونيو 1975 بمعية ثلاثة مناضلين من العراق وتركيا وفلسطين.

2ـ الشقيقتان برادلي

أما الشقيقتان نادية وغيثة برادلي، فقد كان والدهما هو المقاول الشهير البشير بن الشياظمي، صاحب ثاني أكبر شركة في النقل العمومي المغربي، والذي غير اسمه إلى برادلي إعجابا بجنرال أمريكي، شارك إبان الحرب العالمية الثانية، في إنزال “نورمندي”. انضمت ابنته نادية برادلي إلى الحزب الشيوعي المغربي، ثم قامت الشقيقتان غيثة وأختها نادية سنة 1971 بالتخطيط لتنفيذ عملية تفجير تسعة فنادق إسرائيلية قبل أن يتم كشف الخطة ويتم اعتقالهما في تل أبيب. وكانت الخطة تقتضي أن يسافر زوجان فرنسيان مسنان وهما يحملان صواعق قبل موعد سفر الأختين برادلي بثلاثة أيام، إلى جانب امرأة فرنسية تدعى «إيفلين بارج»، التي سبقتهما بنحو خمس ساعات. وتطلبت تفاصيل الخطة وجود ثلاثة أعضاء، مهمتهم حمل المتفجرات إلى «تل أبيب» عبر الطائرة لتفجير تسعة فنادق دفعة واحدة.

لقد تمت التداريب بشقق عديدة بضواحي باريس، حيث اقتضت التوجيهات ألا تقيم المجموعة في الشقة الواحدة أكثر من يومين متتالين، لكي لا يتم اكتشاف أمرهما. ولقد شرح المشرف على الخطة للأختين برادلي كل ما يتعلق بالعملية وكيفية تجاوز الحواجز الأمنية للمصالح السرية بالمطارات، وخريطة الفنادق والمسالك المؤدية إليها، إضافة إلى تفاصيل تفجير المتفجرات باستعمال خرائط خاصة. وكانت نادية هي التي ستقوم بالهجوم إلى جانب فرنسيتين لإعطاء بُعد دولي للعملية، قبل أن تتم الاستعانة بغيثة بعد أن اعتذرت إحدى الفرنسيات عن المشاركة في التنفيذ. وجاء التحاق نادية برادلي بخلية باريس بعد قضائها لتجربة مهنية قصيرة كمضيفة في الخطوط الملكية المغربية، ثم كاتبة في يومية «لا ديبيش» ومجلة «لاماليف»، المغربيتين، لتختار الاستقرار في فرنسا بعدما اقتنعت بضرورة التحضير لعمل ميداني دعما للثورة الفلسطينية. ولقد تم اعتقالهما في إسرائيل ولم يطلق سراحهما إلا بتدخل من الرئيس ياسر عرفات لدى جلالة الملك الحسن الثاني، فتم إطلاق سراحهما في صفقة تبادل للأسرى. كما تجدر الإشارة إلى أن مجموعة ناس الغيوان خلدت في شخص الراحل بوجميع مشهد اعتقال نادية برادلي في إحدى أغانيها الشهيرة، حين قال بوجميع )عمرني ريت الغزال يمشي بالمهماز– وفراخ الخيل عادوا سراحو) ويقصد بالغزال الإشارة إلى نادية برادلي، والمهماز تلك الأغلال التي قيدتها.

3ـ عمر قزيبر

وُلد المناضل عمر قزيبر في مدينة أرفود، انخرط في صف المقاومة الفلسطينية، عندما نقله والده معه إلى العراق سنة 1979، التي كان يشتغل فيها بقطاع البناء، وكانت هوايته المفضلة هي رياضة التكواندو، حيث صقل مهارته فيها داخل مؤسسات رعاية الشباب بالعراق. ومن هنا، وجد نفسه في أحضان تنظيم حزب البعث العراقي. وبعد مكوث عائلة قزيبر لبعض سنوات العمل في دولة العراق، ستنشب الحرب بين العراق وإيران، وسيلتحق عمر قزيبر بصفوف الجيش الشعبي العراقي الذي سيطلق عليه فيما بعد اسم الحرس الجمهوري. قاتل قزيبر ببسالة جنود الثورة الإيرانية، لما يزيد على سنة. وقبل أن تتوقف الحرب بين هذين البلدين الجارين، قرر والده الحاج علال أن يضع حدا للمغامرة التي دخل فيها ولده، وحجز له تذكرة سفر إلى الدار البيضاء. لكن مكوث عمر قزيبر بالمغرب لم يدم طويلا، حيث سيلتحق بأخته من أمه التي كانت مقيمة بليبيا، مكث معها لبعض الوقت. وخلال مقامه بدولة معمر القذافي، التي كانت آنذاك تحتضن فصائل المقاومة الفلسطينية، سيتعرف على عناصر ومناضلي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذين أعجبوا بمهارته القوية في رياضة التكواندو، فنجحوا في استقطابه للالتحاق بهم. ومن هنا، سافر إلى لبنان، والتحق بالكومندو الذي سينفذ العملية الاستشهادية داخل إسرائيل يوم 3 غشت من سنة 1994، وكبدت الجنود الإسرائيليين خسائر فادحة وتبنتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وبعد اغتياله تم تسليم رُفاته ضمن صفقة تبادل الأسرى بين حزب الله اللبناني وإسرائيل.

4ـ الحسين بنيحيى الطنجاوي

استشهد الشهيد الحسين بنيحيى الطنجاوي في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي، وكان مناضلا منخرطا في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وهو مهندس في الطيران وابن مدينة تطوان، التحق بالمقاومة الفلسطينية في لبنان، وأصبح قياديا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث قاد عددا كبيرا من العمليات العسكرية ضد الجنود الإسرائيليين إلى حين استشهاده يوم 28 نونبر 1974، عقب معركة ضارية مع المحتلين الصهاينة في الجليل الأعلى الفلسطيني المحتل. وحسب رفاقه، فلقد لُقِب بنيحيى الطنجاوي بعريس المغرب، وانتقل الرئيس الراحل ياسر عرفات شخصيا إلى بيت أسرته لتقديم العزاء عقب استشهاده، وكان صديقا حميما للقائد الكبير جورج حبش.

5ـ الركراكي النومري

ينحدر الركراكي النومري من مدينة أسفي وهو من مواليد 1945، من أصول صحراوية. توفيت والدته سنة 2004 دون أن تعرف مصيره. توجه سنة 1981 إلى العراق، بموجب عقد عمل مع الحكومة العراقية. وتسلم ملف تشغيله في المغرب من مندوبية الشغل بآسفي بتنسيق مع وزارة التشغيل العراقية. رجع إلى المغرب سنة 1983 في عطلة إجازة قصيرة، قضاها مع أفراد عائلته الصغيرة التي تتكون من خمسة أفراد. ظلت عائلة الشهيد المغربي الركراكي النومري تجهل مصيره أو حتى كونه كان مقاوما ضمن صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لقد قضى نحبه في قصف جوي شنه الطيران الإسرائيلي على جنوب لبنان سنة 1982، وظل أبناؤه الأربعة يترددون على مختلف المصالح الإدارية أملا في رجوعه يوما إليهم، حيث كان آخر عهد لهم به وهم صغار سنة 1983، تاريخ سفره إلى العراق للعمل هناك كسائق.التحق بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ورغم إشهار اسمه في بعض الجرائد ضمن ركن المتغيبين، بقي مصيره مجهولا إلى أن أعلن حزب الله عن صفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل، ضمنهم رُفات شهداء فلسطين من جنسيات عربية مختلفة. حينها كشفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن لائحة أسماء شهدائها كان ضمنهم الركراكي النومري.

6ـ إبراهيم الداسر

استُشهد في بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، إثر عملية نفذها بصحبة مقاتلي حركة فتح التي كان قد التحق بصفوفها، وهو أحد أبناء مدينة سلا. ولا يعرف عن مصير حياته إلا النزر القليل.

على مستوى المقاومة الثقافية، تتجلى مغربية فلسطين في دور الحركة التقدمية المغربية، التي كانت سباقة منذ أواسط عقد الستينيات من القرن العشرين، إلى إصدار أول جريدة عربية باسم “فلسطين”، كان يرأسها الشهيد التقدمي عمر بنجلون، ويعتبر ظهور جريدة فلسطين التي أصدرها عمر بنجلون بأنها بمثابة ورش نضالي لتبادل الآراء واقتراح البدائل بما يخدم القضية الفلسطينية، دون مزايدة استباقية على فصائل المقاومة الفلسطينية؛ بل كانت هذه الجريدة الأسبوعية، آنذاك، تمثل قوة اقتراحيه داعمة للثورة الفلسطينية. وفي هذا السياق، تعتبر الوثيقة التي كتبها الفقيد عمر بنجلون بعنوان (سلوك أطرنا تجاه المشكل الفلسطيني) من أهم المساهمات الفكرية على المستوى العربي التي قدمت تشريحا رصينا للقضية الفلسطينية وللأوضاع العربية والعالمية والسياقات التي أطلِقت فيها الرصاصة الأولى من قِبل حركة فتح وهزيمة يونيو 1967. وفي هذه الوثيقة التي نشرها المناضل عمر بنجلون سنة 1969باللغة الفرنسية في أحد أعداد مجلة “أنفاس” المغربية، الذي يحمل عنوانا خاصا (من أجل الثورة الفلسطينية) قدم فيها عمر بنجلون مقاربة شاملة لموازين الصراع العربي – والصهيوني، وموقف المثقفين اليساريين في فرنسا أمثال جان بول سارتر وومكسيم رودنسون الذين كانوا يتقاطعون مع الأطروحة الصهيونية. ولقد أعقب صدور جريدة “فلسطين” أن تعبأت كافة القوى الوطنية في إطار نضالي مشترك يوحد بين مختلف الأحزاب السياسية، في تأسيس “الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني”. كما أن ظهور اليسار المغربي الجديد في تلك الفترة، ممثلا في منظمتي “إلى الأمام” و”23 مارس”، انبثق من صُلب العلاقة العضوية التي كانت تجمعه مع بعض فصائل المقاومة الفلسطينية، وخاصة مع فصيلي (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) بقيادة جورج حبش، و(الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ) التي كان يرأسها نايف حواتمة.

يدعونا الروائي عمران المليح أو (أبو الحاكي )، على مستوى الإبداع السردي، أن لا نثق بما هو صهيوني، حتى ولو كان بقناع السلام الإسرائيلي الفلسطيني، أو ما يسمى إعلاميا بمفاوضات أوسلو للسلام، وينصحنا كذلك “أبو الحاكي” بأن نتشبث بهويتنا “تامغريبيت” وأن لا نضَيِع لغتنا الأولى، أو لهجتنا الأم المشتركة، التي كانت لغتنا الموِحدة بين اليهود والمسلمين المغاربة. لهذه الأسباب مجتمعة، رفض عمران المليح أن لا يهاجر إلى إسرائيل، وأن يُدفن بالمقبرة اليهودية بمدينة الصويرة المغربية، بالرغم من الإغراءات التي قُدِمت له. لقد كان الراحل عمران المليح يفتخر بالحديث باللهجة الدارجة المغربية المعيارية، القريبة من الفصحى، ويعاتب المثقفين المغاربة الفرنكوفونيين، عندما يتكلمون معه باللغة الفرنسية. كما أنه، بالمقابل، كان لا يستسيغ كل نزعة “عروبية” موغلة في نزعتها القومجية.

في الضفة الأخرى، من جزيرة الكتابة باللغة العربية، أعلنت الكاتبة المغربية خناتة بنونة عن حضورها الإبداعي وعن انتمائها إلى فلسطين منذ البدء، بعد رحلة للحج قامت بها مع والدها وزيارتها لفلسطين والقدس، قبل أن يحتلها الإسرائيليون. منذ تلك الفترة، صارت كتابات خناتة بنونة ملتزمة بالقدس وعشقها لفلسطين. ولقد أحرزت الكاتبة خناتة بنونة على جائزة القدس، عن طريق كتابها الإبداعي “النار والاختيار”، فاستحقت بجدارة الجائزة الكبرى التي أهدتها بقلب شفيف إلى “صندوق القدس”..

لكن مثال التعايش اليهودي الإسلامي الأسمى في المغرب يضرب في جذور التاريخ، كمهد للتعايش المشترك، معلنا عن صوته المتميز عبر وسائط التعبير الفني والموسيقى المغربية، القادمة من عِطر الأندلس والمتمثلة في المهرجانات الأندلسية الأطلسية، التي أقيمت بمدينة الصويرة، وتحولت إلى ما يشبه بابل الحضارات المتعددة، عندما شَدَت فيها فرقة للطرب الأندلسي مشتركة بين اليهود والمغاربة المسلمين، تتغنى بأمداح روحية وصوفية تتعالى على الانتماء الديني المغلق، ومنفتحة على الطرب الرفيع والذوق الفني الراقي، الذي لا يعترف بحدود الأديان المتصارعة، والأصوليات القاتلة. كما يجب التذكير بأنه على أرض المغرب التأم مؤتمر القمة الإسلامي عندما قام الصهاينة بمحاولة إحراق المسجد الأقصى، وعلى أرضه تأسست لجنه القدس المنبثقتين من منظمة المؤتمر الإسلامي، بمناسبة ضم الجزء الشرقي من القدس إلى جزئها الغربي التابع لإسرائيل، وهذان المؤسستان مقرهما في الرباط، وتحت رئاسة المغرب، ويعتبر المغرب المُموِل الأول للصندوقين بنسبة 70 في المائة، يتجاوز الدعم الذي يقدمه جل الدول العربية والإسلامية.

عرف العالم العربي، منذ ظهور حركات الاستقلال السياسي، قيام ثورتين: الأولى تاريخيا هي الثورة الجزائرية التي اندلعت سنة 1954- 1962 في غرب شمال إفريقيا، والثانية هي الثورة الفلسطينية التي انطلقت في شرق المتوسط سنة 1965. ويمكن الآن، بعد مرور أكثر من نصف قرن على انطلاقتهما، أن ننظر في شاشة رادار الثورة الجزائرية ماذا قدمت للثورة الفلسطينية من تراث فكري أو رصيد ثقافي لكي تستفيد منه الثورة الفلسطينية الصاعدة؟ إن الثورة الفلسطينية بالرغم من عدم امتلاكها للثروة المادية فإنها، بفصائلها المتعددة وشعبها وتضامن شعوب العالم معها، استطاعت أن تقدم نُخبا عريضة في مختلف المجالات الفكرية (إدوارد سعيد) والأدبية (مجلة الكرمل) والروائية (غسان كنفاني وإميل حبيبي) والشعرية (محمود درويش) والفنية، مع رسام الكاريكاتور العالمي ناجي العلي وغيرهم.

أما الثورة الجزائرية فلم تستطع أن تقدم نخبا قادرة على تنوير المجتمع الجزائري غداة قيام الثورة؛ فالثورة الجزائرية لم تكن على مستوى إنتاج المنظور الثوري من صنيع الجزائريين الذين ينتمون إلى الأهالي المسلمين وحدهم، بل كانت على المستوى الفكري والنظري من مساهمات كثير من الأوروبيين ذوي الأصول الجزائرية الذين شاركوا في الثورة الجزائرية، واستشهد بعضهم لأجلها وسُجن البعض الآخر، وعُذب آخرون لأجل استقلالها… وخير مثال على ذلك النموذج الذي شخَصه المفكر فرانز فانون كمنظر أول لفكر الثورة الجزائرية، وستزداد القطيعة مع مبادئ الثورة الجزائرية عندما هيمن العسكر على زمام السلطة في مؤتمر الصومال أولا، وثانيا مع الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد هواري بومدين. ولقد استشعر خطورة هذه الآفة التي لحقت بثورة الفاتح من نوفمبر الكاتب والروائي الجزائري أمين الزاوي، قائلا: (إن الطبقة السياسية التي كانت تدبر جزائر الثورة التحريرية وما بعدها هي طبقة غير مثقفة، وهي طبقة في غالبها ذات أصول فلاحية تقليدية بحس ديني واضح، وهو ما خلق التيارات والأصوات المختلفة الأخرى. كما أن الطبقة التي استولت على الحكم في الجزائر عشية الاستقلال ولا تزال هي نفسها حتى الآن، كانت ترفض الشركاء المختلفين عنها في بناء الوطن، وتعتقد أن كل من يختلف معها هو بالضرورة عدو يجب تصفيته جسديا ووجودا)، (أمين الزاوي، ماذا كان سيحدث لو أن أوروبيي الجزائر ويهودها، لم يغادروا البلد بعد الاستقلال؟، أغسطس 2019). ولهذا لم تقدم الجزائر ما بعد الاستقلال من أدبيات ثورية سوى أفكار ضحلة، تفصح عن المستوى الفكري لقادتِها العسكريين، ولا أدل على ذلك أن المستوى الدراسي للحكام “العقداء” العسكريين الجزائريين لا يتجاوز التلمذة في صفوف مستوى الشهادة الابتدائية الأزهرية، مثل الرئيس هواري بومدين الذي قاد الانقلاب العسكري ضد أحمد بنبلا أول رئيس شرعي للجزائر بعد استقلالها، ولقد بقيت هذه الفئة متحكمة في مقاليد الحكم إلى الآن. كما يتجلى المستوى المتدني لقادة الانقلاب على الثورة الجزائرية عند بعض السياسيين من أتباع العسكر أنهم يستعملون بعض الثنائيات البائدة التي عفا عنها الزمن، والتي تعود إلى عصر الحرب الباردة مثل مصطلحي الجمهورية والملكية، عندما يعَيِرون المغرب في إطار المُلاججة السياسية، بأنه مجرد دولة “ملكية” تلصَق بها مجموعة من الصفات السلبية، وأن نظام الجمهورية الذي تتبعه الجزائر يرمز إلى الأنظمة التقدمية ولا أقول المتقدمة التي تتفوق على الدول الملكية، وهذه الثنائية الجمهورية /الملكية لا تستقيم أمام الحقيقة الموضوعية.

والدليل على ذلك هو أن جمهوريات الموز مثل الجزائر صارت تدرج ضمن قائمة الدول الفاشلة، وأن الغرض من استعمال هذه التصنيفات السياسية والثنائيات المتعارضة هو التمويه والتغطية على ثنائيات حداثية تتحدد بين اختيار الانتماء إلى الدولة المدنية، في مواجهة الأنظمة العسكرية. وهذا ما تطمح إليه شعوب العالم الثالث التواقة إلى التقدم والحداثة، مثل الجزائر الشبابية التي تخرج كل يوم جمعة في الأسبوع، تحت راية “الحَراك الجزائري” مطالبة بدولة مدنية، ويتكرر هذا التسطيح الفكري والسياسي عند دولة “العقداء” من العسكر، في أقوال تنقل عن طريق السند إلى الرئيس الراحل هواري بومدين، عندما نصح الجزائريين بأن تحرير فلسطين سيكون عن طريق مبدإ (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) والتي ما زال يرويها أحفاد العسكر بمثابة فتوى قطعية الدلالة، ينشرونها في المنتديات السياسية وفي المحافل الدبلوماسية، باعتماد المعنى السطحي للحديث الشريف، ولقد قام النبي بحصر دلالة هذا الحديث (إن كان حديثا صحيحا) عندما سألوه، “”كيف أنصره ظالما؟ فقال الرسول، تحجزه عن الظلم فذاك نصرك إياه، لأن نصر المظلوم واضح، لكن نصر الظالم معناه منعه من الظلم وحجزه عن الظلم، هذا نصره. ولا نعرف إلى حد الآن ما هو التأويل الذي يقدمه أتباع الرئيس بومدين في الإعلام وفي الدبلوماسية الجزائرية، عندما يتفاخرون بهذا الحديث الذي لا يعرفون معناه وسياقاته التداولية المحلية والدينية التي يستحضرونها عند روايتهم لهذا الحديث، الذي يتعارض مع أحاديث نبوية أخرى، أليس النبي هو القائل في حديث صحيح (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا) فكيف للنبي بمنطق هواري بومدين أن يكون متناقضا مع نفسه، كما أن هذا التأويل الذي يقدم لهذا الحديث لا علاقة له بسياق الحديث الشريف. وهل قام أحد من الأنظمة العربية بما فيها الجزائر لنصرة الشعب الفلسطيني الأعزل الذي يتعرض يوميا للاعتداء الصهيوني؟ وهل يمكننا أن نتساءل تطبيقا للحديث بالمعنى البومديني: هل بإمكان الجزائر أن “تظلم” فرنسا التي سبقت أن اعتدت عليها، انتقاما لكرامة شعبها، ولماذا “هرولت” (هذا الفعل عزيز على الرئيس تبون) الجزائر إلى معانقة فرنسا عن طريق فتح الحدود، من أجل التصالح معها دون أن تعتذر لها فرنسا؟.

لكن من موقع آخر، يرى مفكر الثورة الفلسطينية المفكر إدوارد سعيد أن نتعاطى مع قضية فلسطين، لا لأنها مظلومة بل لأنها قضية عادلة، بعيدا عن كل نزوع ديني أو قبلي أو عشائري وطائفي، ولأنها قضية يحتضنها كل الأقوام القادمين من كل فج عميق، لترتقي نصرتها عند شعوب العالم ولتتحول إلى قضية كونية، لا هي شرقية ولا هي غربية، وسلاح المثقف إزاءها يكون باعتماد النقد، فلا يمكن أن ينحصر دور المثقف الوطني، وفقا لما يقوله فرانز فانون مفكر الثورة الجزائرية في استبدال (طرد الشرطي الأبيض وإحلال نظير له، من أبناء البلد، بل يجب أن يتضمن هذا التغيير ما يسميه بابتكار أرواح جديدة) حتى لا تبقى دار لقمان على حالها، كما وقع للثورة الجزائرية بعد مجيء الاستقلال، فلا تضامن مع “الإخوان” كما يقول إدوارد سعيد بدون وجود النقد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *