المغرب يستقبل سنة 2022.. التحولات الجارية لا تسمح بالترددات

في مسرحية “رجل الذكرى”، يُسجّل “عمر”- وهو إحدى شخصياتها الرئيسة”- انحلال علاقته بماضيه، وعجزه عن ربط علاقة قوية جديدة مع الحاضر، فيواجه وحيدا أعزل المستقبل الغامض، ومن وراء المستقبل الزمن المتحكم في كل شيء. إنها المواجهة التي سيقت “في غمار السياسة” للدلالة على صعوبة إحاطة الباحث أو المهتم بشأن من شؤون المغرب بدون ربط الفروع بالأصول والحاضر بالماضي، من منطلق أن كل شيء، في مجال السياسة، كما في مجالات أخـرى، له تاريخ.

هذا بالضبط ما سنفعله، سنعود لأحداث سنة 2021 دون أن نغفل عن كون ما ستشهده الأشهر المقبلة سيكون لا محالة نتاجا لما بلغناه طيلة 365 يوما التي انقضت، مضافا إليها ما خطّه المغاربة لأنفسهم منذ الاستقلال، بوعي أو بغيره، ببطء أو بعجل، بقصد أو بارتجال.

قبل أن نباشر هذه المراجعة الخلفية لتحريك الظاهر أو الدورة التعاقبية، لنتذكر أن “لعبة الزمن” أقوى منّا، لا يمكن أن نواجهها إلا بالمكاشفة والحوار الجاد بين العقل والتاريخ نشدانا للحياة، وتطلّعا لمستقبل أفضل للجميع، حيث تتحسن الأحوال المعيشية، والأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية، لتكون رافدا معززا لمكانته إقليميا ودوليا.

في ثنايا هذا التطلع، لنتأمل أحداث هذه السنة في ميادين عدة متداخلة، تختلف من حيث مواضيعها ودرجات تأثيرها والمفاجآت التي أحدثتها في السياسة والاجتماع، وتتوحد، في معظمها، بشأن ضرورة الانتقال إلى السرعة القصوى لاستثمار كل الفرص والإمكانات الداخلية في أفق إنهاء دورة الإصلاح التي لم تكتمل بعد، وتُبقي الباب مفتوحا للمحاولة من جديد ضمن منطق الاستمرارية.

البداية مع المشهد السياسي الذي تميّز بإجراء انتخابات تشريعية وجهوية وجماعية في يوم واحد على غير العادة، لم يكن من نتائجها “سقوط حر” لحزب العدالة والتنمية وترأُّس حزب التجمع الوطني للأحرار لرئاسة الحكومة بعد نيل الصدارة فحسب، بل وألحقت أحزابا، من اليمين وما يسمّى باليسار، بالمعارضة كرهاً. وبقدر ما حاول “المصباح” ظاهريّا رتق جرحه بعد تقلُص مقاعده إلى ثلاثة عشر مقعدا وتجديد الثقة في أمينه العام السابق في مؤتمره الاستثنائي إثر استقالة الأمانة العامة للخروج سريعا من صدمته، يبدو بالاستناد إلى الواقع أن جزءا كبيرا من الأحزاب السياسية الأخرى لن تكون مرحلة انكماشها وتعافيها من التذبذب الداخلي قصيرة الأمد.

سرعان ما يتحول النقاش السياسي، والحالة هاته، إلى تركيز غير مشرّف على قضايا ثانوية تتحوّل من تمثيل الأمة داخل البرلمان إلى الدفاع “بلغة الشارع” عن الأشخاص أو الهيئات السياسية، على نحو يبرز أن الفعل السياسي ماضٍ، بدراية أو تجاهل لما يعيشه المغرب من تحولات ضاغطة، إلى التطبيع مع فكرة تَحوُّل العمل السياسي إلى تَجمُّع مصالح غير ملزم بالوفاء لرؤية مجتمعية قد تُكلّفه التخلي عن “همزة” تدبير يوميات الحكومة أو البرلمان أو الجماعات الترابية؛ أي أن معظم الأحزاب، في نهاية المطاف، بما فيها المتفرّعة عن الحركة الوطنية أو تلك التي أريد لها أن تنافسها، تتأقلم وتعمل على تكييف ردود فعلها، بشكل يجعلها -بمجرد فرز صناديق الاقتراع- أسيرة تصورات ماضوية لم تنفلت بعد من تدبير السياسة من جانب الندرة لا الوفرة التي تطبع شخصية المغرب وجغرافيته ومؤهلاته.

في الميدان الاقتصادي، وعلى الرغم من الركود الذي سبّبته جائحة كوفيد-19، ولا سيّما بالنسبة للقطاعات ذات العلاقة بالنشاط البشري المباشر، أو تلك المفتوحة على الطلب الخارجي، تفيد عديد التقارير الوطنية والدولية أن الاقتصاد استعاد معظم ما فقده تقريبا خلال العام الماضي بفضل الثقة التي أرساها المناخ المؤسساتي.

ويُتوقّع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي المغربي بنسبة 6,3% في 2021، وهو من أعلى المعدلات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لكن وإن كانت الأرقام الرسمية في مجملها إيجابية، يجب أن تتعامل معها الحكومة الجديدة بحذر في ظل التطورات الوبائية غير المستقرة التي تؤخر، مثلا، تعافي قطاع السياحة والقطاعات الفرعية المرتبطة التي تعتمد بشكل كبير على السياحة الدولية بدل الداخلية بسبب غلاء الأسعار وضعف القدرة الشرائية.

وعلى المستوى الخارجي، ما فتئت المملكة تؤكد بأن منظورها عن النظام-العالم وارتباطاته يجب أن يُفهم في إطار المسؤولية والممارسات الفضلى على الرغم من تعقُّده وصعوبة التكهن بمآلاته.

وبالنظر إلى المتغيرات التي يشهدها هذا النظام من حيث تبدّل الأولويات وتنامي المخاطر العابرة للحدود وتصاعد أهمية الاقتصاد في الارتباطات الدولية في مقابل تراجع البعد القيمي أو الأيديولوجي، علاوة على التحولات التي مسّت مفهومي السلم والأمن الدوليين، وحدوث تغيّر على مستوى موازين القوى الدولية والإقليمية، سعت المملكة المغربية جاهدة هذه السنة إلى تكييف سياستها الخارجية مع هذه التطورات؛ إذ تمكّنت من خوض مجموعة من المحطات الضاغطة، التي واجهت مصالحها الحيوية، وهو ما مَثّل مناسبة للوقوف على الملامح الجديدة التي باتت تطبع سياستها الخارجية انطلاقا، على الأقل، من ثلاثة مرتكزات جوهرية، بدءا بالحرص على التمسك بالشرعية الدولية واستقلالية وسيادة القرار الداخلي، ومرورا بتنويع الشركاء على المستوى الدولي، وانتهاء بالواقعية والبرغماتية الدبلوماسية في التعاطي مع مختلف المتغيرات الدولية من خلال الانفتاح، إلى جانب شركائه التقليديين، على بلدان أخرى، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الصين وروسيا والبلدان الأربعة المنتمية لـ”مجموعة فيسغراد”، التي تتزايد أهميتها وتأثيرها على المشهد الأوروبي. وباستحضار التطورات الإيجابية الحاصلة، يبدو أن هذه السنة تختلف سابقاتها من زوايا عدة، وهو ما يقتضي من الجميع، كل من موقعه، مواصلة التعبئة واليقظة، للدفاع عن الوحدة الوطنية والترابية، والمضي قدما في تعزيز المسار التنموي والسياسي بالأقاليم الجنوبية.

عمليّاً، تشهد عديد الأحداث والوقائع ميل السلوك الخارجي إلى التعامل بالمثل، وخير شاهد على هذا التوجه هو مدى التقدير الذي تحظى به الدول والتجمعات التي تربطها بالمملكة اتفاقيات وشراكات مثمرة نابعة من مواقف واضحة وإيجابية تحترم، خطاباً وممارسة، سيادة المغرب ورؤيته للتنمية المتبادلة؛ وبخاصة أن المملكة ماضية بخطى ثابتة في تعزيز حضورها العالمي والأفريقي، وتضع في قلب أهدافها تكريس هويتها الأفريقية؛ وهو ما لا يجعل رؤيتها الإستراتيجية الإيجابية متفردة وملفتة لا غير، بل أيضا متعددة الأبعاد، حيث تتداخل فيها الجوانب الأمنية والعسكرية والدينية، والاقتصادية، والدبلوماسية، والإنسانية والاجتماعية.

وبشأن وضع التربية والتكوين والبحث العلمي في المغرب، الواقع لا يرتفع كما يُقال، المجهودات المبذولة على مستوى توسيع وتطوير العرض المدرسي بمعناه العام، وكذا على مستوى الدعم الاجتماعي بكل مكوناته أسهمت بشكل كبير ومباشر في ارتفاع أعداد المتمدرسين والطلبة، وفي المقابل، استمرار حالات الانقطاع عن الدراسة تقتضي الانكباب العاجل على وضع آلية لمحاربة الهدر المدرسي لأجل تجنب تراكم فجوات التعلم والحد من مخاطر الانقطاع عن المدرسة والرفع من فرص النجاح الأكاديمي والمهني. وسيكون من المفيد لتحقيق نجاعة هذه الآلية، وغيرها من التدابير الطموحة الواقعة أو المتوقعة، العمل وفق خطة استراتيجية على تحسين الوضع المادي للأستاذ والرفع من مكانته داخل المجتمع بدل استغلال كل مناسبة للنيل من سمعته والتقليل من قيمته لتعزيز الثقة في المهنة وجذب أجود الكفاءات إليها، على نحو لا يتعارض مع ربط المسؤولية بالمحاسبة في اتجاه التأديب أو التحفيز على السواء، وبين هذا وذاك، التقليل من التناقضات والتجاذبات السياسية التي ما عاد الملاحظ يجد أدنى صعوبة في كشف تأثر القرار التربوي بها.

وفي المجال الثقافي، لم نودّع السنة دون حصيلة على الرغم من تقييدات الوباء؛ إذ نُظمت أنشطة وتظاهرات ثقافية وفنية فردية وجماعية، حضوريا وعن بعد في نفس الوقت. ويُنتظر أن تتابع الحكومة جهدها للتفكير في آفاق ومداخل جديدة لتحفيز الإبداع ودعم المنتسبين إليه في جميع المجالات، بما يساعد على استعادة الثقة في إمكانية الارتقاء الرمزي والمادي عبر الأعمال الفنية والإنتاجات العلمية، وهو ما يجعل الثقافة مدعوّة، كما يتوقع تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، إلى أن تغدو رهانا بالغ الأهمية في مجال الصعود الاقتصادي والسيادة وخلق الثروة اللامادية، وذلك بحكم الحاجة المتجددة والكونية إلى المعنى وإلى التماسك الاجتماعي، وبحكم التحديات العالمية التي تفرض تثمين العناصر الناعمة والمحتوى والجودة.

وبخصوص الوضع الحقوقي، لربما فطن واضعو تقرير النموذج التنموي إلى ضرورة التوفيق بين السلطة وإكراهاتها والحرية وانزلاقاتها من خلال الدعوة إلى الجمع بين “دولة قوية ومجتمع قوي”؛ وهو توجه لا يعني دولة أقل بل دولة أفضل (ذات رؤية استراتيجية وحامية وضابطة وفعالة) تضع إطارا لترسيخ الثقة والمسؤولية يعزز الحماية القانونية والمعنوية للفاعلين والمواطنين بواسطة منظومة للعدالة بدون شوائب وتتوفر على قوانين واضحة وقواعد عمل شفافة، مطبقة بشكل مستقل، وتكون موضوع تقييم منتظم ومرتبط بشكل وثيق بالمحاسبة وتراعي قيم النزاهة والتخليق. باستقراء أحداث السنة، يصعب ادعاء أن هذا التوجه/ الرهان بعيد المنال، والأجدر أن تتسع الصدور وتتكاثف الجهود للتقليص من الاختلالات والنواقص التي تشوب مجال الحقوق والحريات لتسمو الممارسة الحقوقية إلى المستوى الذي يجعل الانتقال الديمقراطي سلسا وسريعا.

وسيراً على عادة متمنيات السنة الجديدة، الأجدر أن ننبّه، في نهاية هذه القراءة الإجمالية المختزلة، إلى أن التحولات الجارية لا تسمح بمزيد من الأخطاء أو الترددات: العنوان الجديد للمرحلة – وفقاً للنموذج التنموي الجديد الذي يتعين أن تحكم توجهّاته مغرب الغد– هو التقدم المضطرد. ولأن المملكة أنهت السنة موقّعة على مبدأ “واقعي” قائم على الربح والاحترام المتبادلين مع مختلف الوحدات الدولية، المتوقع أن تستمر التعبئة الجماعية لتعزيز المغرب، من جهة، كبلد ديمقراطي يمتلك فيه جميع المواطنين القدرة الكاملة على تولي زمام أمورهم وتحرير طاقاتهم والعيش بكرامة، ومن جهة ثانية، كقوة إقليمية تضطلع بدور طلائعي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

*أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاضي عياض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *